lundi 15 juin 2026

بقلم د. عبد الرحيم الشويلي

«لَا تَأْخُذِ الْحَيَاةَ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ، فَلَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا حَيًّا.»
إِلْبِرْت هُوبَارْد

قِصَّةٌ قَصِيرَة

الْمَوْتُ بِالتَّقْسِيط

فِي عِيدِ مِيلَادِهِ الْأَرْبَعِينَ، وَقَفَ أَمَامَ الْمِرْآةِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ لِنَفْسِهِ بِحِكْمَةِ رَجُلٍ ظَنَّ أَنَّهُ اكْتَشَفَ أَسْرَارَ الْكَوْنِ:

— كَفَى.

وَكَانَتْ هَذِهِ الـ«كَفَى» مُوَجَّهَةً ضِدَّ كُلِّ شَيْءٍ: ضِدَّ الِادِّخَارِ، وَضِدَّ الْحِمْيَةِ الْغِذَائِيَّةِ، وَضِدَّ النَّوْمِ الْمُبَكِّرِ، وَضِدَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْمَاءَ الْفَاتِرَ وَيَتَحَدَّثُونَ عَنْ فَوَائِدِ الشُّوفَانِ كَأَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ الصِّحَّةِ.

فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نَشَرَ صُورَةً لِسِيجَارٍ وَكَأْسِ عَصِيرٍ وَرُمَّانَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَكَتَبَ تَحْتَهَا قَوْلَ إِلْبِرْت هُوبَارْد:

«لَا تَأْخُذِ الْحَيَاةَ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ، فَلَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا حَيًّا.»

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، بَدَأَ مَشْرُوعَهُ الْعَظِيمَ: أَنْ يَعِيشَ الْحَيَاةَ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ.

اشْتَرَى قَمِيصًا إِيطَالِيًّا لَا يُنَاسِبُ رَاتِبَهُ، وَصَارَ يَتَنَاوَلُ اللُّحُومَ الْمَشْوِيَّةَ حَتَّى أَصْبَحَ الْجَزَّارُ يَرْحِّبُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَقَارِبِهِ.

دَخَلَ فِي قِصَّةِ حُبٍّ مَعَ امْرَأَةٍ تُصَغِّرُهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، وَكَانَتْ تُنَادِيهِ:— يَا دُبِّي الْجَمِيلُ.

فَشَعَرَ أَنَّ الشَّبَابَ قَدْ عَادَ إِلَيْهِ، إِلَى أَنْ اكْتَشَفَ أَنَّهَا تُنَادِي ثَلَاثَةَ رِجَالٍ آخَرِينَ بِالْوَصْفِ نَفْسِهِ.

لَكِنَّهُ لَمْ يَهْتَمَّ.

كَانَ يَقُولُ:— الْمُهِمُّ أَنْ نَعِيشَ... فَنَحْنُ لَنْ نَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا أَحْيَاءً عَلَى أَيَّةِ حَالٍ.

ضَحِكَ عَلَى صَدِيقِهِ الرِّيَاضِيِّ، وَسَخِرَ مِنْ مُوَظَّفِ الْمَصْرِفِ الَّذِي يَدَّخِرُ لِلتَّقَاعُدِ، وَأَعْطَى الْجَمِيعَ دُرُوسًا مَجَّانِيَّةً فِي فَلْسَفَةِ الْعَيْشِ السَّعِيدِ.

ثُمَّ جَاءَ يَوْمُ التَّحَالِيلِ الطِّبِّيَّةِ.

دَخَلَ الْمُخْتَبَرَ ضَاحِكًا، وَخَرَجَ مِنْهُ وَجْهُهُ يُشْبِهُ وَجْهَ مُوَظَّفٍ سَمِعَ خَبَرَ تَأْجِيلِ الرَّاتِبِ.

تَأَمَّلَ النَّتَائِجَ طَوِيلًا.

السُّكَّرُ مُرْتَفِعٌ.

وَالضَّغْطُ مُرْتَفِعٌ.

وَالدُّهُونُ مُرْتَفِعَةٌ.

حَتَّى إِنَّ الطَّبِيبَ نَفْسَهُ بَدَا مُرْتَفِعًا مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ.

قَالَ لَهُ الطَّبِيبُ:

— إِذَا اسْتَمْرَرْتَ عَلَى هَذَا النَّهْجِ فَلَنْ تَعِيشَ طَوِيلًا.

ابْتَسَمَ الرَّجُلُ وَقَالَ:

— وَمَنْ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعِيشَ طَوِيلًا؟

لَكِنَّ الْكَارِثَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَكُنْ فِي السُّكَّرِ وَلَا الضَّغْطِ وَلَا الدُّهُونِ...

بَلْ كَانَتْ فِي فَاتُورَةِ الْعِلَاجِ.

عِنْدَمَا رَآهَا، شَعَرَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ الْمَوْتَ فِكْرَةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ أَيْضًا.

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، صَارَ يَأْكُلُ السَّلَطَةَ بِحُزْنٍ، وَيَشْرَبُ الْمَاءَ بِاسْتِسْلَامٍ، وَيَمْشِي كُلَّ صَبَاحٍ وَهُوَ يُرَاجِعُ حِسَابَاتِهِ مَعَ إِلْبِرْت هُوبَارْد.

وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي، جَلَسَ وَحْدَهُ فِي الشُّرْفَةِ، وَأَعَادَ قِرَاءَةَ الْقَوْلِ مَرَّةً أُخْرَى.

أَشْعَلَ سِيجَارَةً، وَتَأَمَّلَ السَّمَاءَ قَلِيلًا، ثُمَّ تَمْتَمَ:

— الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ أَنَّنَا لَنْ نَخْرُجَ مِنَ الْحَيَاةِ أَحْيَاءً...

بَلْ أَنَّنَا نَمُوتُ بِالتَّقْسِيطِ....!!.

بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
15.يونيو.حزيران.2026م.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire