مدحت الحلفاوي يكتب:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك اشياء لا تغادرنا حقا حتى لو غادرناها.
تظل عالقة فينا كاثر خفيف لا يرى لكنه يحس كظل. فكرة قديمة تمر في القلب من وقت لآخر دون استئذان.
نظن ان الزمن كفيل بمحو التفاصيل لكنه في الحقيقة يعيد ترتيبها فقط يضعها في مكان اعمق داخلنا حيث لا تصل ضوضاء الحياة.
وهكذا لا يصبح الغياب نهاية بل يتحول الى مساحة ممتدة لما تبقى فينا من معنى.
هناك مشاعر لا تموت مهما مر الزمن.
تتوارى احيانا خلف صخب الايام وانشغال العمر لكنها تبقى ساكنة في مكان خفي داخل الانسان تنتظر لحظة ضعف او ذكرى عابرة حتى تعود بكل قوتها.
والغريب ان بعض الذكريات لا تؤلمنا لانها كانت سيئة بل لانها كانت جميلة اكثر مما ينبغي.
فنحن لا نبكي دائما على ما خسرناه بل على ما كان قادرا ان يمنحنا حياة اخرى لو بقي.
تمر السنوات ويتغير كل شيء.
الوجوه تتبدل.
الاماكن تفقد ملامحها القديمة.
حتى الاصوات التي كانت تملأ القلب دفئا تصبح بعيدة كأنها قادمة من زمن آخر.
احيانا لا نشتاق للاشخاص كما كانوا.
بل نشتاق لانفسنا ونحن معهم.
لتلك النسخة التي كانت ترى العالم ابسط والقلب اخف.
لكن يبقى شيء واحد لا يشيخ ابدا وهو ذلك الاحساس الاول الذي لمس الروح بصدق.
احيانا يجلس الانسان وسط الناس لكنه يشعر انه يعيش وحيدا مع ذاكرته.
يتحدث ويضحك ويمارس تفاصيل يومه العادية بينما داخله يسير في طرق قديمة لا يراها احد.
هناك اماكن لا نغادرها ابدا حتى بعدما نتركها بسنوات طويلة.
ولان القلب لا ينسى بسهولة فانه يحتفظ ببعض اللحظات كما هي.
يحفظ النظرة الاولى.
الدفء الاول.
الخوف الاول من الفقد.
ثم يعيد عرضها علينا في اوقات غير متوقعة كأن الماضي يرفض ان يتقاعد.
وربما كانت المأساة الحقيقية ان الانسان كلما نضج ادرك متأخرا قيمة اشياء لم يكن يعرف وقتها انها العمر نفسه.
فنحن لا نفهم جمال بعض اللحظات الا بعد ان تصبح مستحيلة العودة.
ويبقى الحنين رغم قسوته واحدا من اكثر المشاعر انسانية.
لانه يثبت ان القلب كان حيا يوما ما وان الروح مرت بتجربة تستحق ان تذكر مهما كان الالم.
وفي النهاية.
نكتشف ان ما ظنناه غيابا لم يكن الا انتقالا خفيا للاثر من الخارج الى الداخل.
ان بعض الاشياء لا تنتهي لكنها تختار ان تعيش فينا بشكل اعمق واهدى كأنها تعيد تعريف وجودها بعيدا عن العيون.
ويبقى السؤال الصامت.
كم مرة ودعنا اشياء لم تودعنا يوما.
وكم مرة ظننا اننا تجاوزنا بينما نحن فقط تعلمنا ان نخفي الالم باحتراف.
سلاما على ما كان جميلا ولم يكتمل.
وسلاما على القلوب التي عرفت الحب يوما فصار فيها اثره لا يمحى.
وربما ليست كل النهايات حزينة كما نظن.
فبعض الاشياء حين ترحل تترك فينا من الشعور ما يكفي ليجعلنا اكثر انسانية واكثر فهما للحياة.
ولهذا تبقى بعض الذكريات رغم وجعها نعمة خفية لانها علمتنا كيف يحب القلب بصدق وكيف يتألم بصمت.
اللهم لا تجعل في قلوبنا تعلقا يتعبنا.
ولا حنينا يكسر ارواحنا.
واجعل لنا من كل غياب عوضا ومن كل فقد جبرا.
وطمأنينة تعيد الى القلب اتزانه مهما اشتد الطريق... امين.
مدحت الحلفاوي.
قلم وطني لا يعرف الا الحق ولا ينحني الا لله ولمصر
#مدحت_الحلفاوي
#ما_يبقى_بعد_الغياب
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire