خربشات علي جدار المساء
لم يلمسها يوما كما يلمس العاشقُ حبيبته
كان يكتفي بأن يربت على قلبه كلما ظهرت له نافذتها الصغيرة مضيئةً في آخر الليل.
يضحك معها من خلف شاشة.
ويخفي ارتجافة أصابعه وهو يكتب لها-
--كيف كان يومكِ
كأن السؤال وحده محاولة نجاة لرجلٍ يغرق فيها ببطء.
كان يضمها إلى صدره وَهما ويترك على كتفيها تعب أيامه الطويلة
ثم يعود آخر الليل أكثر امتلاءً بها
وأكثر فراغاً من نفسه.
لن ينسى عدد المرات التي تخيل فيها
أن يلمس دفءَ عنقهاأن يزيح بأنامله خصلة شعرٍ شاردة عن عينيها
أن يراها لا بالكلمات… بل بالحياة.
لكن الحياة كانت دائماً بخيلة
تعطيه صوتها… وتحرمُه حضورها.
مصابٌ هو بتخمة عشقٍ لا يشيخ.
حب وُلد كبيراً منذ اللحظة الأولى
كأن قلبه لم يعرف التدرج معها.
بل سقط دفعةً واحدة في أقصى الحب.
كم تمنى أن يأتيها ذات شتاء،مرتديا معطفه الداكن متعطرا بعطره المفضل
مرتبكا كصبي ذاهبٍ إلى درسه الأولى
ثم يراها…فيسقط كل الكلام الذي ادخره طويلا من فمه
ولا يبقى سوى اتساع عينيه المرتجفتين بها.
هي أنثاه الجميلة…وهو رجل الكلمات الذي كلما حاول الهرب منها عاد إليها بقصيدة
هي المرأة التي كانت تسكنه أكثر مما تسكن نفسها.
وكان يبحث عنها في وجوه العابرين
في ضحكات المقاهي في الموسيقى الحزينة
وفي كل الأماكن التي لا تشبهها… ثم يخرج منها أكثر يقينا أنها لا تشبه أحدا.
كان يتمنى أن يراها في تفاصيلها الصغيرة
حين تغضب وتلوح بيديها بانفعال
حين تتنهد فجأة كأن العالم أثقل من قلبها
حين تأكل بصمت.أو تسرح شعرها الطويل أمام المرآة دون أن تدري أن رجلاً بعيدا كان مستعدا أن يعيش عمره كله..فقط ليتأمل تلك اللحظة العابرة
كيف تبدو عيناها حين يداهمها الحنين
كيف يخذلها صوتها وهي تحاول أن تبدو قوية.....كيف تنام.....وكيف تصحو
وهل كانت مثله تحدث وسادتها عنه في الليالي الثقيلة.
هي أيضا… مثله… أعتقد..كانت تفرد شعرها خر الليل
كانت تحزنها الفساتين الجديدة التي ارتدتها ولم يرها بها
والصور التي التقطتها على عجل لتشاركه جمالها
ثم أخفتها لأن الغياب كان أسرع من الفرح.
كل الغرباء الذين صافحوها.كل الذين مروا قرب عطرها مصادفة كانوا أوفر حظا منه
هو الذي عرف روحها أكثر مما عرف ملامحها.وأحبها بصدق موجع
حتى صار البعد بينهما وطنا كاملا من الحنين.
هما قلبان…أضاعهما الوقت
وجمعتهما المصادفة القاسية خلف شاشة باردة.ولو التقيا ذات يوم لن يكون اللقاء عاديا أبدا…سيبكيان طويلا
كأن الطريق كله كان واقفا بينهما منذ البداية.
وكأن الحب الحقيقي أحيانا لا ينقصه الشعور…بل تنقصه يدٌ واحدة فقط
تعبر المسافة.
عبدالقادر بن احمد الطبابي