ظاهرة الانتحار في الجغرافية الصبيحية
بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي
تملكني الشوق للأهل والأحبة ، وهز وجداني ، وشغل مشاعري ، الأمر الذي جعلني أقرر السفر نحوهم ، انطلقت صباحا من الحاضرة - التي تقع شرق الجغرافية الصبيحية ؛ إذ تشاطئ بلدتنا خليج عدن حتى مضيق باب المندب ، وصلت إلى المضاربة ، ديار الأهل ، ومراتع الأحبة ، بعد رحلة مضنية ، تقاطر الشباب نحوي ، سعداء بمقدمي ، تبادلنا أطراف الحديث ، عاتبني بعضهم على طول الغياب ، وسألني آخرون إن كنت مازلت استذكر الأيام الخالية ، وكيف كان يجمعهم وجودي ! وشكا الكثير منهم من انتشار البطالة ، واستفحال الفقر ، وكيف أنه لم يعد هناك من ينظر إليهم ، أو يسأل عن حالهم ، الأمر الذي جعل بعضهم يلجأون إلى الانتحار ، تألمت كثيرا لمعاناتهم ، وكيف تحل مشكلة ضياعهم ، عند ذلك قلت : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ...
عرف ذكور وإناث الصبيحة ظاهرة الانتحار منذ أزمان قديمة ، وكان عادة ما يعمد المنتحر من الذكور إلى قتل نفسه ؛ إما ببندقيته أو بخنجره أو بمدية ، وذلك في غالب الأحايين ، وعمدت الأنثى إلى قتل نفسها بوساطة الشنق بالحبل ، أو أن ترمي نفسها في بئر عميق ، أو من على جبل شاهق ، وهذا في غالب الأحيان ...
غير أن للانتحار أسباب ، منها على سبيل التمثيل ؛ الفقر ، فإذا ما شعر بعض الذكور - وهم ضعاف الإيمان - بأن أبواب الرزق قد أغلقت أمامه ، وتملكه الجوع والعوز ، فضلا عن عزة النفس التي تهيمن على مشاعره وتفكيره ؛ إذ تمنعه من التسول ، أو بث معاناته للآخرين ، أو شكوى حاله للناس ، الأمر الذي يجعله ينصرف نحو أقصر الطرق - من وجهة نظره - وهي الانتحار . ومن الأسباب أيضا المرض ؛ إذ يجد أحدا ممن يعولهم مريضا ، في الوقت الذي هو ليس لديه شيء من المال ؛ لكي يقوم بنقله إلى أي مشفى للتداوي ، فيفضل بدلا من الوقوف أمام مريضه عاجز الحيلة إلى الذهاب للانتحار . وكذلك كان بعضهم إذا أصيب بمرض البواسير ، لايستطيع الذهاب إلى الطبيب ؛ استحياء من كشف عورته ، فيلجأ إلى الانتحار ؛ حتى لايكشف عورته للطبيب ...
أما الإناث فكن يعمدن إلى الانتحار لأسباب منها ؛ فقد عزيز ؛ كأب أو أخ أو زوج ، وكذلك عندما يزوجونها رجلا لا تريده ، فضلا عن بعض المشاكل الزوجية ، التي لاتستطيع الزوجة البوح بها لأبيها ...
غير أن ظاهرة الانتحار قد تفاقمت في أيامنا هذه ، وانتشرت انتشارا كبيرا ، وأهم أسبابها الفقر والغلاء الفاحش في المواد الغذائية ، والاستهلاكية ، وكذلك ارتفاع سعر الأدوية المرعب في البلاد ؛ إذ داهم الفقر منازل القوم ، واستحيا كرامة الشرفاء ، وداس على أعناق البسطاء ، وكف أيدي الكرماء ، وعبث في شرف النزهاء ... لا حول ولا قوة إلا بالله