الستر حين يكون حكمة
منذ سبعةٍ وثلاثين عامًا كنت أؤدي الخدمة الوطنية، وكنتُ مسؤولًا عن الشؤون العامة في الثكنة. من مهامي إعداد قوائم الحراسة، والإشراف على الأشغال المتعلقة بخدمة الثكنة، وكان تحت إمرتي أربعة جنود يمثلون الشرطة العسكرية.
القصة التي سأرويها وقعت في المزرعة التابعة للثكنة. كان جنديان يحرسان المزرعة والمنزل والمستودع، وكانا معفيَّين من جميع الأعمال والحراسات داخل الثكنة، حتى كأنهما من عامة المواطنين،اختارهما النقيب لأنهما أكبرُ منّا سنًّا، ولديهما أُسَرٌ وأبناء، ولأنهما تأخّرا في أداء الخدمة الوطنية.
في إحدى الليالي، دخلا عليّ الغرفة وهما يرتجفان من شدة الخوف. قلت لهما:
– ما بكما؟ كيف تتركان المزرعة وحدها وتأتيان معًا؟ ما الأمر؟
كان أحدهما يبكي بحرقة ويقول:
– سيقتلوننا… سيقتلوننا!
بينما كان الآخر يطالبه بالصمت. أعدت السؤال بإصرار:
– ما الذي حدث؟
قال لي: منذ يومين أتتنا فتاتان، بنات فلان، في سنٍّ لا يتجاوز الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة. كان ذلك بعد أن استدرجهما هذا يقصد زميله. جلسنا نتحدث معهما ثم انصرفتا. وهذه الليلة عادتا ومعهما أمتعتهما، وكانتا تنويان عدم الرجوع إلى أهلهما. وبعد نحو نصف ساعة سمعنا صراخًا في البستان المجاور، فعرفنا أن إخوتَهما يبحثون عنهما، وسمعنا أحدهم يقول: «أظنهما دخلا عند العسكر». فهربنا إليك بسرعة.
سألتهما:
– أين الفتاتان الآن؟
قالا: أخرجناهما من المنزل وأغلقنا الباب.
أغلقتُ على الجنديين في غرفتي وقلت لهما بحزم:
– لا تتحركا من هنا، ولا أريد أن يسمع بكما أحد من الجنود.
خرجتُ متوجهًا إلى المزرعة، فوجدتُ الفتاتين مختبئتين تحت شجرة، بينما كان إخوتُهما وأبناءُ إخوتهما يجوبون المزارع بحثًا عنهما، والأضواء في كل مكان: مصابيح يدوية، وأضواء الجرارات، والشاحنات، وحتى الدراجات النارية.
قلت للفتاتين:
– ماذا تفعلان هنا؟
قالتا وهما ترتجفان:
– لا نريد الرجوع… خذنا معك إلى أي مكان، افعل بنا ما تشاء، فقط لا تعيدنا إلى إخوتنا، سيقتلوننا.
حاولت إقناعهما بالعودة فلم تسمعا لي. فقلت:
– سأصطحبكما وأسلمكما للشرطة الليلية.
قالتا:
– نعم، نقبل.
قلت لهما:
– هل تعلمان ما الذي ينتظركما؟
قالتا:
– مهما يكن، نقبل.
قلت:
– هناك ستفقدان شرفكما، وستتعرضان للضرب والإهانة وخذلان الناس. والأخطر من ذلك أنكُما ستعصيان ربكما، ولن تبقى لكما لا حياة كريمة في الدنيا ولا في الآخرة.
اشتد بكاؤهما. فقلت:
– إذا كان لا بد من الضرب، فتحمّلا ضرب إخوتكما وأبيكما، وتفوزان برضا والديكما، ولا تعصيان ربكما.
قالت إحداهما:
– سيقتلوننا.
قلت لها:
– أنا أضمن حياتكما. وإن شعرتما أنهم سيشرعون في قتلكما، أخبروهم أن أحد الجنود علم بالقصة، وسيأتي غدًا صباحًا مع الدرك ليسأل عنكما.
بعد تردد وخوف وافقتا على العودة، لكنهما لم تستطيعا السير لكثرة إخوتهم في المكان. فقلت لهما:
– تمسّكا بي، ودلّاني على أقرب مسلك إلى بيتكما.
تسللتُ بهما حتى نافذة بيتهما، وساعدتهما على الصعود. وفي تلك اللحظة لمحني الشيخ من بعيد، أو هكذا خُيّل إليّ، فتظاهر بعدم رؤيتي، ونادى أبناءه أن يبتعدوا إلى الجهة الأخرى، كأنه يفتح لي طريق الرجوع دون أن يراني أحد. هناك فقط عرفتُ أن قلب الأب، مهما اشتد، يبقى أحنّ من الغضب.
انسحبتُ بهدوء وعدتُ إلى المزرعة. قضيت تلك الليلة أحرس البيت والمزرعة والمستودع حتى الصباح.
مع الفجر عدتُ إلى الثكنة، وتوجهت إلى الجنديين اللذين حبستهما، وقلت لهما:
– لا تخرجا ولا تقابلا أحدًا حتى يأتي النقيب وتخبراه بكل شيء، لأنكما إن بقيتما هنا فستُقتلان حتمًا من أهل الفتاتين. وتحملان وزركما، فهذه قضية شرف وخيانة أمانة، واستعدّا لأبشع مصير.
وبالفعل، تلقّيا أشد العقاب من النقيب، حتى إن أحدهما فقد أسنانه من ضربة عصا.
سألني النقيب:
– هل سمع أحد بالقصة؟
أجبته:
– لا، لم يعلم بها سواي.
قال لي:
– أغلق عليهما في الغرفة وتعال معي.
ذهبنا مباشرة إلى بيت الفتاتين، فوجدنا الإخوة وأبناءهم – وكانوا أكثر من عشرة – واقفين في ساحة البيت، وأبوهم يتوسطهم. نزل النقيب من السيارة وبقيت أنا فيها. تقدّم نحو الشيخ، وقبّل رأسه قائلًا:
– يا حاج، لا تخف، عرضك عرضي، وبناتك لم يمسّهما أحد بسوء. وقد عوقب الجنديان، وبحكمة هذا الفتى لم يدعهما يقابلان أحدًا، ولم يعلم بالقصة أحد.
ثم ناداني وقال:
– اروِ له ما حصل.
قال الشيخ:
– أعلم ما حصل.
ومدّ يديه، وأمسك برأسي، وقبّلني من جبيني، وقال:
– اذهب يا ولدي، سترتَني فسترك الله في الدنيا والآخرة، أنت وأهلك وكل من يمتّ لك بصلة.
قال له النقيب:
– لا تخف يا حاج، أعدك أن هذه القصة لن يعلم بها أحد، والجنديان اللذان أغويا ابنتيك سأرسلهما إلى أبعد نقطة أستطيع إرسالَهما إليها فورًا.
وقبل الانصراف قال له:
– لكن أعدني يا حاج أن لا تؤذي الطفلتين، فما زالتا صغيرتين وقد غرِّر بهما أولئك الشياطين.
لم أروِ هذه القصة لأُظهر بطولةً ولا فضلًا، فكلّ ما فُعل كان واجبًا تفرضه الأمانة قبل كل شيء. إنما رويتها لنتعلّم أن الرجوع عن الخطأ ممكن في أي لحظة، وأن خيانة الأمانة لا تصنع شجاعةً بل تُخلّف ذلًّا وجبنًا، وأن من يسيء يُعاقَب مهما ظنّ أن الظلام يستره.
كما رويتها لأقول إن سماحة الوالدين، وحكمة الآباء، وقدرتهم على الصفح عن أخطاء أبنائهم، قد تنقذ نفوسًا وتمنع كوارث، وأن الستر حين يكون في موضعه يكون عبادةً لا ضعفًا.
وإضافةً إلى ذلك، فإن الخطأ ليس حكرًا على شابٍ طائش؛ فقد يصدر من إنسانٍ كبيرٍ في السن، مُحصَّنٍ بالمكانة والتجربة. فالأخلاق في أصلها، والتربية الحسنة في جوهرها، لا تُقاس بالعمر ولا بالشهادات، بل بما يستقر في الضمير ويظهر عند الامتحان.
بقلم القصاد "صالح حباسي "