تَمَاثِيلُ المَطَرِ الأَخِيرَة
تَسْقُطُ السَّمَاءُ عَلَى هَيْئَةِ امْرَأَةٍ مِنْ بُخَارٍ
فَتَتَعَثَّرُ المَرَايَا فِي حُلُوقِ الغُرَفِ المُغْلَقَة،
وَتَتَكَسَّرُ ضِحْكَتُهَا الزَّرْقَاءُ فَوْقَ أَرَائِكِ الصَّمْتِ
قَبْلَ أَنْ تَسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمِهَا المَائِيِّ... نَادِمَةً.
لَا شَيْءَ يَبْقَى مِنْهَا
سِوَى رَائِحَةِ البَحْرِ فِي ثِيَابِ النَّائِمِينَ.
رَأَيْتُ حِكْمَةً عَجُوزًا تَتَسَوَّلُ عِنْدَ نَافِذَةِ المَطَر،
تُقَايِضُ الأَيَّامَ بِحَفْنَةٍ مِنَ النِّسْيَان.
قُلْتُ لَهَا: مَا الجَدْوَى؟
فَأَشَارَتْ إِلَى نَمْلَةٍ تَحْمِلُ جَنَازَةَ قَمَرٍ مَيِّتٍ إِلَى مَمْلَكَتِهَا السُّفْلَى،
ثُمَّ قَالَتْ بِلُغَةِ العُشْبِ:
«كُلُّ وَاصِلٍ خَسِرَ الطَّرِيقَ مَرَّتَيْنِ».
فِي المَقَاهِي الَّتِي تَفْتَحُ أَبْوَابَهَا لِلَّيْلِ فَقَط،
يَجْلِسُ عَاشِقَانِ مِنْ زَبَد،
يَتَقَاسَمَانِ صَمْتَهُمَا كَرَغِيفٍ سَاخِن،
وَيَكْتُبَانِ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِإِصْبَعِ البُخَارِ:
«الحُبُّ أَنْ تَرَى فِي الآخَرِ غِيَابَكَ وَتَظَلَّ تَشْتَهِي البَقَاء.»
أَيَّتُهَا القَصِيدَةُ المُتَوَحِّشَةُ فِي صَدْرِي!
كُفِّي عَنْ مَضْغِ أَحْشَائِي،
وَاخْرُجِي مِنْ قَمِيصِي فَرَاشَةً عَمْيَاءَ تَبْحَثُ عَنْ نَارِهَا الأُولَى.
أَنَا مَنْ رَبَّيْتُكِ فِي قَفَصِ الحَنْجَرَة،
وَأَطْعَمْتُكِ مِنْ لَحْمِ المَعَانِي المَنْسِيَّة،
فَاخْرُجِي الآنَ... وَلَا تَلْتَفِتِي.
ذَاتَ صَبَاحٍ، سَيَأْتِي رَجُلٌ مِنَ الضَّوْءِ الهَارِبِ مِنْ نَفْسِه،
يَحْمِلُ فِي يَدِهِ حَبَّةَ قَمْحٍ شَفَّافَة،
وَفِي الأُخْرَى مِقْصَلَةً مِنْ نَسَمَات.
سَيَقِفُ عَلَى حَافَّةِ قَبْرِي قَبْلَ أَنْ أَمُوت،
وَيَهْمِسُ لِأَضْلُعِي المُنْهَارَة:
«قُمْ... أَيُّهَا المُتَأَخِّرُ عَنْ مَوْعِدِ مَوْتِك،
فَالنِّهَايَةُ لَا تَأْتِي عَلَى هَيْئَةِ خَاتِمَة،
بَلْ عَلَى هَيْئَةِ شُرْفَةٍ تُطِلُّ عَلَى حُلْمٍ لَمْ تَرَهُ فِي مَنَامِكَ بَعْد.»
عِنْدَئِذٍ، سَأَنْهَضُ مِنْ رَمَادِي،
لَا لِأَمْشِيَ فِي جَنَازَةِ الكَلِمَات،
بَلْ لِأُعَلِّمَ الغُيُومَ كَيْفَ تَبْكِي دُونَ أَنْ تَسْقُط،
وَكَيْفَ تَمُوتُ بَطِيئًا كَشَجَرَةٍ تَخْلَعُ أَوْرَاقَهَا
لِتُلْبِسَ العَارِينَ مِنَ الرِّيح.
ثُمَّ أَلْتَفِتُ...
فَأَرَى امْرَأَةَ البُخَارِ تَفْتَحُ النَّافِذَةَ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرَى لِلُّغَة،
وَتُدَلِّي شَعْرَهَا الطَّوِيلَ لِيَتَسَلَّقَهُ المَوْتَى
الَّذِينَ مَاتُوا دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا
أَنَّهُمْ كَانُوا فَقَطْ فَاصِلَةً مَنْسِيَّةً فِي سَطْرٍ لَمْ يُكْتَبْ بَعْد.
عاشور مرواني