mardi 28 avril 2026

اخاف *** 🖋 الشاعر إدريس لحمر

اخاف
أخاف إذا ما طرق الدهر بابي 
أن يجد الحلم قد غاذر الحدق 
أخاف إذا غاذر الشيب مفرقي 
يجد كف المواعيد قد احترق 
أخاف إذا ما رحلت أيام الهنا 
وكم سر بها القلب وكم خفق 
أن تدق مسامير الغذر ناصيتي
ويكون جني القمقم قد انعتق
أخاف اذا ما قيل لي خرف 
أكون ذاك الذي تاق وصدق 
أخاف إذا الخطوب السود حلت 
يكون الدهر أحلامي قد سرق 
أخاف غذر الزمان وأد سعادة 
قد انتظرتها وعشتها دما أرقا
زمن شهد جنون عشق أبية 
هيامية بسببها الوداد تعملق 
أخاف إذا ما اختطفتني الدروب 
أن أجد روحي تعانق الشفق 
أنسى من أنا ما كنت ومن اكون 
وأمكث بين السندان والمطرقة 
بقلم إدريس لحمر

‏تأليف الكاتب / محسن رجب جودة

رواية: زينب.. المرأة التي أرعبت الإمبراطورية
‏ الفصل الثالث: رائحة الخواجة في الحقول.. والضربة الأولى
‏تأليف الكاتب / محسن رجب جودة
‏لم يعد ليل المنيا كما كان؛ فالهواء الذي كان يحمل رائحة طمي النيل وزهر البرتقال، صار ملوثاً برائحة غريبة.. رائحة "التبغ المر" وبزات العساكر التي تفوح منها غطرسة الحديد. على بُعد كيلومترات قليلة من دار زينب، كان المعسكر الإنجليزي يرتفع كجرحٍ في خاصرة الأرض، خيامٌ بيضاء مدببة تشبه أنياب الضباع تحت ضوء القمر.
‏داخل المعسكر، كان "السير أرثر"، الضابط الذي لا تفارق السيجار يده، يضحك بزهوٍ وهو يسكب الخمر لرفاقه، غير آبهٍ بأن الأرض التي يدوسها بجزمته العسكرية اللامعة، تختزن في جوفها ثأراً يغلي. بالنسبة له، هؤلاء الفلاحون ليسوا سوى "ظلال" تعمل في الحقول، كائناتٍ ولدت لتخدم إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
‏لكن في الجانب الآخر من الظلام، كانت "زينب" قد تحولت هي نفسها إلى ظلٍ لا يُرى.
‏قضت زينب أسبوعها الأول في مراقبة "دبيب النمل". عرفت متى يخرج الجندي "توماس" ليدخن سيجاره بعيداً عن أعين الضباط، وعرفت أين يقف "ويليام" ليقضي حاجته قرب شجرة الجميز المهجورة. تعلمت كيف تكتسب لون الأرض، وكيف تتحرك دون أن ينكسر تحت قدمها غصنٌ واحد.
‏كانت تلبس ثيابها السوداء المصبوغة بصبغة "النيلة" الداكنة، وتغطي وجهها بوشاح لا يظهر منه سوى عينين تقدحان شرراً. لم تعد زينب تشعر بالبرد أو الجوع؛ كان غليلها هو وقودها الوحيد.
‏في ليلةٍ مقمرة، اختارت زينب طريدتها الأولى. جندي شاب، يبدو في مقتبل العمر، كان يترنح مخموراً وهو يبتعد عن حدود الأسلاك الشائكة، مدفوعاً بفضولٍ أحمق لاستكشاف تلك "الخرائب" القريبة التي تحكي عنها الأساطير.
‏تسللت زينب خلفه كقطةٍ برية. كان قلبها يدق بعنف، ليس خوفاً، بل حماساً للحظة الحقيقة. حين وصل الجندي إلى منطقة تكتنفها الأشجار الكثيفة، تعمدت أن تكسر غصناً يابساً خلفه.
‏التفت الجندي بذعر، رافعاً بندقيته المجهزة بالحربة اللامعة: "Who is there" (من هناك؟).
‏لم يجبه سوى صمت الريف. استدار الجندي مرة أخرى، لكنه في لمحة بصر، وجد خيالاً أسوداً ينقضُّ عليه من خلف نخلةٍ عتيقة. لم يسعفه الوقت ليضغط على الزناد؛ فكانت يد زينب القوية قد أطبقت على فمه، واليد الأخرى تغرز السكين في رقبته بدقةٍ مذهلة، تماماً كما تُذبح الذبائح في العيد.
‏سقط الجندي بين يديها. شعرت بدمه الساخن يتدفق على ثوبها، وشعرت بجسده يرتجف ثم يسكن تماماً. في تلك اللحظة، لم تشعر زينب بالندم؛ بل شعرت بأن روح "محيي" قد رفرفت فوق رأسها بابتسامةٍ باردة.
‏نظرت إلى وجه الجندي الشاحب تحت ضوء القمر، وقالت بفحيحٍ مرعب:
‏"ده أول الغيث يا خواجة.. لسه الحساب طويل.. والأرض اللي طمعت فيها، هي اللي هتاكلك."
‏بكل قوتها، سحبت الجثة نحو الحفرة التي أعدتها مسبقاً في قلب حقل القمح. أهالت عليه التراب بيديها، ثم بدأت تمهد الأرض فوقه بعناية، وزرعت فوق القبر شتلة صغيرة من الصبار، كعلامةٍ لا يفهمها أحدٌ غيرها.
‏عادت زينب إلى دارها قبل أن ينشق الفجر. غسلت يديها بماء النيل البارد، ونظرت إلى انعكاس وجهها في المرآة المكسورة. لم تعد ترى "زينب الفلاحة"؛ بل رأت "عزرائيل الصعيد" الذي بدأ لتوّه مهمة تطهير الأرض.
‏واحد.. وبقي ثمانية وعشرون.

نحلة العسل *** ​بقلم الشاعر: زهير جبر

نحلة العسل
كُلَّ صَباحٍ ينهضُ مُبكراً..
ينظرُ في مرآتهِ الصغيرة، يُعدّلُ ملامحَهُ الخريفية، ويبدأُ يومَهُ بنظرةِ أملٍ لأمنيةٍ بعيدةٍ كأنها "نجمةُ الفجر".
يراها في كلِّ صلاةٍ تهبطُ إليه، تمدُّه بشيءٍ من نور.. يمسحُ على جبينهِ المتعب وكأنه يهمسُ لها بشيءٍ، فيبتسم.
​كان يرمي مُخلفاتِ ليلهِ الطويل كلَّ صباحٍ بين سنابلهِ الذهبية في حقول القمح، يداعبُ نسماتِ "فيروز" المنبعثة من مذياعه الصغير، ثم يجلسُ على تلةٍ تحت نخلةِ تمر، يتأملُ فنجانه:
​"وقارئته تلك.. متى تأتي؟"
​لم يزل يترددُ في كتابةِ شيءٍ ما يدورُ في خَلَده، وبينما هو في سفرهِ عبر المحيطات، همست في أذنهِ نحلةٌ تحملُ قنطاراً من رحيق، تخبرهُ بأنها هي "معشوقته"..

أتتهُ بزيِّ نحلةٍ من عسل. 🍯

​بقلم: زهير جبر
ظلك من جهة الضوء

ظِلُّك…  
ليس ظلًا،  
بل رفيقٌ من ضياءٍ  
يتقدّمك بخطوة، يمشي 
أمامك كأنه يعرف 
عنك ما لم تقله 
بعد.  

يشير إليك  
برفّة نور، ويهمس 
للهواء أن فيك شيئًا  
من وجه البدايات ذلك الصفاء 
الذي يعيد العالم إلى نقائه 
الأول، إلى لحظته  
قبل أن يتعلّم 
الحزن.  

يمشي ظلك  
كطفلٍ من الفجر،  
يخرج من رحم الضوء  
مبلّلًا بالدهشة، يحمل في كفّيه أسرار 
الصباح، ويترك على الأرض أثرًا 
من نقاءٍ لا يقدر الليل  
على محوه.  

وأنت…  
حين تعبر،  
تتبعك الجهات،  
وتتعلّم منك الطرق كيف 
تصبح ألين، وكيف يزهر 
القلب إذا مرّ عليه  
رفيقٌ من 
ضياء.

                         بقلم محمد عمر عثمان كركوكي

«وللفراغ قيمة» *** 🖊 الشاعر طاهر عرابي – دريسدن

«وللفراغ قيمة»

قصيدة نثر رمزية وجودية
طاهر عرابي – دريسدن 28.04.2026


تأخذني الشهوات من بابٍ إلى باب
أبحث، أفتّش، وأفشل في تحديد
ما كان يلتقط في زحمة الجشع
فتعوي عليّ الذئاب
فأفرّ منها متلحّفًا بقسوة الاغتراب
ولا يثبت لي في انتمائي ذكرى
ولا يبقى في قلبي عقلُ الصوابِ
الشهواتُ تمشي أمامي كأنها تُدفع بالعقاب
نسيتُ أن للمحروم زاويةً تحت رفّ الغياب

لستُ متطفلًا
ولا حوتٌ يبتلع كلَّ خصمه
وينسى رحلة الولادة
وكان الكون يعود من موته
والحوتُ يطمئنّ إلى الغياب
ألتفتُ إلى شغفي كأنني باقٍ في رحلتي
فتنهرني رحلتي في زوبعة
أنقرضُ مترفًا بالشبع من وهم الشهوات
وأمتلئ بقداسة الغضب

ألتفتُ إلى شغفي كأنني باقٍ في رحلتي
أنقرضُ وأنا مترفٌ بالشبع من وهم الشهوات
وأمتلئ بقداسة الغضب

ولا غيورٌ يورّث الشهوات كأنها نسب
أتنفّس السكينة كمن يسرقها من الهواء
وأراوغ حتى تظنّ الذئاب
أنني أطارد المستحيل
لا هاربًا من الخراب
ولا هاربًا من جلدي، الملوّن بقرميدٍ
طال بقاؤه في فرنٍ حتى صار بلون العذاب
الذئابُ تلتفتُ إلى فراغها… وأنا ألتفتُ إليّ

توقفتُ عندما بدأ كلُّ شيءٍ يتحرّك
وصارت الذئاب ترى لذّتها في حبّ الممزّقين
الملوّنين مثل أطياف السراب
وقلتُ: ما أبشع أن أكون وصيًا على أمل
وأنا أوّل من ينساه ليشقى
مرغمًا من نفسه، دون حساب
الآمالُ طينٌ خفيفٌ ينجرف في مجرى لا يحتملها
مطرٌ مخنوقٌ في سماءٍ لا ترى

سيمضي الوقت الذي كنت أخشاه
لا لشيءٍ
سوى لأن الفراغ كان يلوّح لي باسمه
وينسى اسمي
ويترك الذئاب بلا ملامح

سيأتي وقتٌ
يحتفظ فيه الفراغ بقيمته
ويثقلنا أكثر
كلُّ شيءٍ سيمضي فارغًا
لنبدو ممتلئين ببراءةٍ متأخّرة
لم نفعل فيها شيئًا
سوى مراقبة الزمن
وهو يبتلعنا بهدوء

وكأن للزمن تصالحًا خجولًا مع الموج على غفوة الرمال
والرمال تنكر حتى البصمات
وتتنكّر للخجل، ابتلاعٌ بلا خجل
وأنا أعود لأذكّر
أن لشهوتي عالمًا اختفى قبل الأمنية

وأن ما تبقّى مني
اغترابٌ كامل
لا يعرف طريق الرجوع
تمرّ الذئاب كأن الأرض لم تكن خلفها.

دريسدن – طاهر عرابي

سأظل أنتظرك *** 🖊 د-اشرف جمال العمدة

سأظل أنتظرك 
د-اشرف جمال العمدة 
انتظر أن تأتي 
بقلب عاشق مشتاق 
ولن أنساك بمرور الزمان 
وإن طال الانتظار 
بل أشعر بوجودك 
أنفاسك في أنفاسي 
أشم رائحة جسدك 
أهي الروح تأتيني 
تشعر بمرارة الانتظار 
أم أذهب بعيدا بالتمني 
نلتقي دون اللقاء 
سأظل أنتظرك 
وإن لم تأتٕ ولن تأتي 
يكفيني علمك بانتظاري 
ويكفي شعورنا بالحب 
يلمس قلوبنا في كل حين 
بل أشعر بأنك تسكنيني 
سأظل أنتظرك 
د-اشرف جمال العمدة

بكاء القلب *** 🖊 عزه كامل

بكاءُ القلبِ
أقوى البكاءِ بكاءُ القلبِ إن وجَدَا
صمتٌ يُمزِّقُ صدرَ الروحِ إذ صَدَعَا
جرحٌ عميقٌ بأعماقِ الفؤادِ سرى
حتى استقرَّ بشِغافِ الروحِ واتَّحَدَا
كتمانُ حزنٍ توارى في جوانحِنا
حتى غدا في حنايا الصدرِ مُتَّقِدَا
يبكي، ولا أحدٌ يدري مآسِيَهُ
يمشي ويضحكُ، لكن داخِلًا خَمَدَا
من فقدِ روحٍ كانت لا تُفارِقُهُ
أو خيبةِ العهدِ لمّا خانَ من عَهِدَا
ذاكَ الفراقُ الذي في الصدرِ قد نقشَتْ
آلامُهُ، فغدا في كلِّ نبضٍ صَدَى
يبكي بصمتٍ، فلا عينٌ تُواسيهِ
ولا الكلامُ يُداوي الجرحَ إن وُجِدَا
يبقى الأنينُ خفيًّا في خلايانا
كأنَّهُ وُلِدَ في الأعماقِ وابتدأَا
أمّا دموعُ العيونِ فاستراحَ بها
صدرٌ يُفَرِّجُ بعضَ الهمِّ إن فَقَدَا
تلكَ الظواهرُ يلقاها الورى علنًا
لكنَّ حزنَ القلوبِ الصامتَ اشتدَّا
فالقلبُ يبكي بكاءً لا حدودَ لهُ
يبقى الأنينُ بهِ دهرًا وإن هَدَا
يا من عرفتَ بكاءَ القلبِ مُنكسِرًا
اصبرْ، فجرحُكَ يومًا سوفَ يلتئِمَا
فاللهُ يُحيي قلوبًا بعدَ مَوتِ أسىً
ويجعلُ الحزنَ نورًا بعدما احتدَمَا
قلم عزه كامل