( العيدُ والشرق )*
يا عيدُ مَرحَى ، والسلامُ عليكَ يا
عيداً .. ، وحقُكَ أن تكونَ سعيدا
ما حالُ من طَرَقَت خُطاكَ رُبوعَهم؟
أرأيتَ حسناواتِهم والغيدا ؟
أصَبغنَ خَداً واكتحلنَ بأعينٍ ؟
وهززنَ خَصراً نافراً وقُدودا ؟
ما لونُ أحلامِ الصغارِ ، وما أمانيُّ
الكبارِ ، وهل رأؤكَ جديدا ؟
قد طافَ ظِلُّكَ بالبلادِ ، وأبصَرَت
كلُّ العيونِ رُواقكَ الممدودا
وكسوتَ من فَرَحٍ لديكَ وبهجةٍ
رُوحَ الكَليمِ ، وخافقاً مَعمودا
عنّي تُسائِلُ ؟ كلُّ عيدٍ يَنثني
عنّي ، وكنتُ صفيَّهُ المَعهودا
الوجهُ وجهي ، غيرَ أنَّ ملامحي
أضحت مَرايا لِلَّواعجِ سودا
لا العيدُ يجلوها ، وقد سكَن الأسى
صدري ، وخَدَّ بأضلُعي أُخدودا
مِن أينَ أجترِحُ القصيدَ ؟ ..
حدائقُ الإلهامِ أضحى روضُهنَّ صَعيدا
من أينَ أجترِحُ القصيدَ ؟ ولم تَزَل
في الصدرِ نارٌ تستحِثُّ مَزيدا
ألماً وإغضاءً على جُرحٍ تعاظمَ
فاستحالَ مع الزمانِ صَديدا
يرتدُّ طرفي كلما أرسلتُهُ
حَسِراً ، وكانَ إذا نظرتُ حَديدا (١)
ومن المَناظرِ ما يَسُرُّكَ مَظهراً
أو يورثُ التنغيصَ والتنكيدا
يكفيكَ تشريداً لنومكَ أن تَرى
شملاً أحالتهُ الخُطوبُ بَديدا
عَجَباً لهُ النسرُ المحلقُ في الذُّرى
أيكونُ في سربِ البُغاثِ لَبيدا ؟! (٢)
هذي رُبوعُ الشرقِ مَسرحَ عابثٍ
يُرسي حدوداً ، أو يُزيلُ حدودا
أخنى على صدرِ العُروبةِ وارتقى
ثَمِلاً بخمرةِ بغيهِ عِربيدا
نَيرونُ أوبَقهُ عِبادةُ ذاتِهِ
قارونُ أترعَهُ الغُرورُ جُحودا
وإذا تمادى الظالمونَ وأوضَعوا (٣)
في بغيهمْ ، كان الهلاكُ شديدا
يا أيها الشرقُ الذي شَرِقت بهِ
أُمَمٌ تأبَّطها الخَبالُ عُقودا
ورأوكَ نِضواً لابساً خَلَقاً ، فظنوكَ
المريضَ ، وقسَّموكَ جُدودا (٤)
يَستَنبِئونَ بَنيكَ عن أمجادهم
فتُجيبُهم حِقَبٌ وقَفنَ شُهودا
ما كنتَ وارِدَ فَضلةٍ يوماً ، ولا
لحُثالةِ الآفاقِ كُنتَ مَقودا
فَإلامَ يا شَرقُ تفيئُ ؟ وأنتَ مَن
لاذَت بهِ الدنيا فكانَ شَهيدا (٥)
وتَعلَّقت بإزارِ حِقويهِ ، فَلَمْ
يَخذِل صَريخاً ، أو يَرُدَّ مُريدا (٦)
فبَنى فأرسى أُسَّ خيرِ حضارةٍ
وأتى على أُسِّ الظلامِ فَبيدا
قد آنَ مِنكَ ومِن بَنيكَ نَباهةٌ
لتُعيدَ ميزانَ الأمورِ رشيدا
واحذر دُهَيماءَ الأمورِ فإن في (٧)
خَلَلِ الصُّفوفِ ، إذا فَطِنتَ ، لَسِيدا (٨)
فانفُض عنِ العينِ الرُّقادَ فلَم ينَل
عِزَّ السِّيادةِ مَن أطالَ رُقودا
_____________
شعر / ناصر عليان ( الذيبي )
(١) حَسِراً : كليلاً تَعِباً.
- حديدا : شديد الحِدَّة.
(٢) البغاث : نوع من الطير ضعيف بطيئ الطيران ، لا يصيد.
- لبيدا : مقيماً ملازماً لموضعه.
(٣) أوضعوا : أسرعوا.
(٤) جُدودا : جمع جَد ؛ وهو الحظ والنصيب.
(٥) شهيدا : حاضراً.
(٦) صريخا : طالبُ النجدة.
(٧) دُهَيماء : مصيبة عظيمة وفتنة شديدة.
(٨) خَلَلِ الصفوف : فُرَجُ ما بين الصفوف.
- سِيدا : السِّيدُ هو الذئب الخبيث سريع الحركة.
*القصيدة على بحر الكامل.