بَلَقَ البصرُ: دراسةٌ لغويةٌ ودلاليةٌ في انكشاف العين واتساع الرؤية:
بقلم: عماد خالد رحمة
_ برلين.
ليست العربية لغةَ إشاراتٍ جامدة، بل هي لغةُ تصويرٍ حيٍّ يُجسِّد أدقّ الحركات النفسية في أبنيةٍ صوتيةٍ مكثّفة. ومن الألفاظ التي تختزن صورةً حسّيةً دقيقةً عبارةُ «بَلَقَ البصرُ»؛ وهي صيغةٌ موجزة، غير أنّها تفتح أمام الدارس أفقًا صرفيًّا ودلاليًّا وبلاغيًّا رحبًا.
أولًا: التحليل الصرفيّ والنحويّ
بَلَقَ فعلٌ ماضٍ ثلاثيٌّ مجرّد، على وزن فَعَلَ، وهو من الأفعال اللازمة في هذا السياق.
البصرُ فاعلٌ مرفوع، وعلامة رفعه الضمّة الظاهرة.
والجملة فعليةٌ تدلّ على الحدوث المفاجئ؛ إذ إنّ الفعل الماضي في مثل هذا السياق لا يُراد به الزمن المنقضي فحسب، بل يُراد به تصوير اللحظة الحدثية الحاسمة، وكأنّ الفعل ومضةٌ تقع دفعةً واحدة.
ومن مشتقّات الجذر (ب ل ق):
بَلَقٌ: البياض الظاهر.
أبلق: ما اجتمع فيه لونان، وغلب البياض على أحدهما.
وهذا الاشتقاق يُسهم في فهم الدلالة الأصلية: إذ إنّ اتّساع العين عند الدهشة يُظهر بياضها أكثر من المعتاد، فكأنّ البصر «أبلق» أو «بلق» حين ينكشف بياضُه فجأة.
ثانيًا: الدلالة المعجمية
في المعاجم العربية القديمة نجد إشاراتٍ إلى معنى الظهور والبياض والانكشاف في مادة (بلق).
فالفرس الأبلق هو الذي ظهر فيه البياض واضحًا، لا مستترًا.
وعلى هذا الأساس يمكن فهم قولهم:
«بلق البصر» أي انفتح واتّسع حتى بدا بياضُ العين ظاهرًا، وغلب على حدّته المعتادة.
وهذه الصورة لا تعبّر عن مجرّد النظر، بل عن نظرةٍ مدهوشةٍ أو مفزوعةٍ أو متكشّفةٍ أمام أمرٍ جلل.
ثالثًا: الدلالة الصوتية وأثرها في المعنى
إذا تأمّلنا البنية الصوتية (ب ـ ل ـ ق) وجدنا انسجامًا بين الجرس والدلالة:
الباء: صوتٌ مجهور شفويّ، يبدأ بانطباقٍ ثم انفراج، فيوحي بحركةٍ مفاجئة.
اللام: صوتٌ جانبيّ فيه امتدادٌ وانسياب.
القاف: صوتٌ شديدٌ مستعلٍ ذو جرسٍ قويّ، يختم الكلمة بثقلٍ وانقباض.
هذا التدرّج الصوتيّ من الانطباق إلى الامتداد ثم إلى الشدّة، يحاكي حركة العين حين تنفتح فجأةً وتتّسع ثم تستقرّ في حدّةٍ مشدودة.
وقد أشار ابن جني إلى ما سمّاه «مناسبة الأصوات للمعاني»، مقرّرًا أنّ بين بعض الأصوات ودلالاتها ضربًا من التآلف غير الاعتباطي. كما أن دراسة المخارج والصفات عند سيبويه تؤكد أنّ البنية الصوتية ليست حيادًا صرفًا، بل هي جزءٌ من المعمار الدلالي للكلمة.
رابعًا: الفرق بين «بلق» وألفاظٍ قريبة
تميّز العربية بين حالات النظر بدقّةٍ مدهشة:
شَخَصَ البصرُ: ارتفع وثبت لا يطرف، غالبًا عند الفزع الشديد أو الموت.
حَدَّقَ: أطال النظر في تركيزٍ وقصد.
اتّسعت عيناه: وصفٌ مباشر لحالة الاتّساع.
أمّا بلق البصر ففيه عنصرُ المفاجأة والانكشاف، مع إيحاءٍ بظهور البياض، أي إنّ الصورة حسّيةٌ دقيقة، لا مجرّد توصيفٍ عام.
خامسًا: البعد البلاغيّ والنفسيّ
«بلق البصر» تعبيرٌ تصويريّ، ينقل الحالة النفسية من الداخل إلى الخارج عبر حركةٍ عضويةٍ بسيطة: انفتاح العين.
فهو يدلّ على:
الدهشة المفاجئة
الفزع
الانكشاف أمام حقيقةٍ صادمة
أو الانبهار الشديد
وهنا يتجلّى ما أشار إليه عبد القاهر الجرجاني في نظريته في «النظم»، حيث إنّ اختيار اللفظ ليس اعتباطًا، بل هو اختيارٌ لصورةٍ صوتيةٍ ونفسيةٍ معًا.
سادسًا: بين الرؤية الحسية والرؤية المعنوية
يمكن أن يُنقل التعبير من الحسيّ إلى المجازيّ، فيقال:
«بلق بصرُ الوعي»
«بلق بصري على الحقيقة»
فتغدو العبارة رمزًا لانكشاف الإدراك، لا لانفتاح العين فحسب.
وهنا تنتقل الدلالة من الفسيولوجيا إلى الفلسفة، من حركة الجفن إلى يقظة العقل.
خاتمة
إنّ «بلق البصر» مثالٌ صغير على عبقرية العربية في ربط الصوت بالصورة، والصيغة بالحالة النفسية.
فهو فعلٌ ثلاثيّ بسيط في مبناه، عميقٌ في معناه، يختزن في حروفه حركة العين، وفي دلالته لحظة انكشافٍ حادّ.
وهكذا يتبيّن أنّ العربية لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تُجسّدها، وتجعل من الحرف مشهدًا، ومن الصوت صورةً، ومن اللفظ حدثًا حيًّا ينبض في الوعي قبل أن يستقرّ في المعجم.