قبل فوات الأوان
أخشى ما أخشاه في هذه الأيام، ليس صوت الطائرات ولا هدير المدافع، بل أن نعتاد كل ذلك حتى يصبح جزءًا من حياتنا اليومية.
أخشى أن نستيقظ كل صباح على خلاف جديد، وانقسام جديد، وخصومة جديدة، ثم نمضي في يومنا وكأن شيئًا لم يكن.
في لبنان، لم نعد نختلف على السياسة فقط، بل أصبحنا نختلف على كل شيء؛ على الحرب والسلام، على المستقبل، على الخوف، وحتى على معنى الوطن نفسه.
وكل فريق يعتقد أنه يملك الحقيقة كاملة، بينما الحقيقة الوحيدة التي أراها أمامي هي أن هذا البلد يتعب، وأن الناس تتعب معه.
أراقب الوجوه من حولي فأرى القلق في العيون أكثر مما أرى الطمأنينة. أرى آباءً يفكرون في مستقبل أبنائهم، وأمهات يخشين خبرًا مفاجئًا، وشبابًا يحلمون بحياة بسيطة وآمنة، فإذا بهم يكبرون في زمن لا يشبه الأحلام.
لحظة الاندهاش الحقيقية ليست فيما يحدث اليوم، بل فيما قد يحدث غدًا إذا بقينا أسرى الغضب والعناد والتخوين.
فالحروب لا تبدأ دائمًا برصاصة، بل تبدأ حين يتوقف الناس عن سماع بعضهم بعضًا، وحين يصبح الاختلاف سببًا للكراهية بدل أن يكون مساحة للحوار.
ولأنني أحب هذا البلد وأخاف عليه، أدعو إلى وقفة صادقة مع النفس قبل فوات الأوان.
وقفة نعيد فيها الاعتبار للعقل، وللرحمة، وللإنسان الذي يختبئ خلف كل رأي وكل موقف وكل انتماء.
لسنا مضطرين أن نفكر بالطريقة نفسها، ولسنا مجبرين على الاتفاق في كل شيء، لكننا مجبرون على أن نحافظ على البيت نفسه، وعلى الأرض نفسها، وعلى مستقبل أولادنا الذين سيدفعون ثمن أخطائنا إن أخفقنا.
لقد تعب هذا البلد من الحروب، وتعبت القلوب من الانتظار، وتعب الناس من الخوف الذي يطرق أبوابهم كلما ظنوا أن الأمان اقترب.
ومن كل قلبي، أتمنى أن نمنح أبناءنا ما حُرمنا منه نحن.
أن نترك لهم طريقًا ممهدًا بالعلم والعمل والأمل، لا طريقًا مرصوفًا بالخوف والدموع.
أن نترك لهم وطنًا يتسع للجميع، لا ساحة جديدة للصراعات.
فالأوطان لا يحميها الغضب وحده، ولا تنقذها الشعارات وحدها، بل يحميها العقل حين يحضر، والضمير حين يستيقظ، والمحبة حين تنتصر على الأحقاد.
تعالوا نتوقف لحظة...
لحظة واحدة فقط.
ننظر فيها إلى وجوه أبنائنا، وإلى ما تبقى من أحلامنا، ونسأل أنفسنا:
أي لبنان نريد أن نورثه لهم؟
حسين عبدالله جمعة - لبنان
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire