كفّان ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎
لم يحب أحدهما الآخر كما في الروايات.
ولم يكره أحدهما الآخر كما في المآسي.
كان زواجهما شيئًا بين هذا وذاك.
ثلاثة وثلاثون عامًا من العِشرة.
ثلاثة وثلاثون عامًا من الملاحظات الصغيرة التي تتحول إلى خصومات كبيرة.
كان حامد ضيق الخلق، سريع الغضب، لا يترك خطأً دون تعليق.
وكانت زينب محدودة الثقافة، تكرر الحكايات نفسها، وتسأل الأسئلة نفسها، وتنسى الأجوبة نفسها.
كل منهما كان يعرف عيوب الآخر عن ظهر قلب.وأحيانًا..كان كل منهما يتمنى لو انتهت الحكاية.بأي طريقة.لكن الليل كان دائمًا يفضحهما.
حين تنطفئ الأنوار، وبعد ساعات من الصمت المتعمد، كانت يد تخرج من تحت الغطاء.
لا أحد يعرف يد من تبدأ أولًا.
ولا أحد يسأل.يلتقي الكفان.
ثم ينامان.
كأن الحياة كلها، رغم ما فيها، لا تزال محتملة.
في صباح شتوي ثقيل، مات حامد.
ببساطة قاسية.
كما تموت الأشجار العتيقة.واقفة.ثم تسقط فجأة.
في الجنازة بكت زينب حتى ظن الناس أنها كانت تعيش قصة حب أسطورية.
أما هي فكانت مذهولة.
كيف يمكن لشخص أزعجها كل هذه السنوات أن يترك هذا الفراغ كله؟
بعد أيام صارت تجلس أمام خزانته.
تفتحها.وتغلقها.
ثم تفتحها من جديد.
كأنها تتوقع أن يخرج منها.
كانت تتحدث إليه.
تشكو له وحدتها.
وتعاتبه لأنه رحل.
ومع مرور الوقت بدأت ذاكرته تتنقى.
كالماء بعد الترسيب.
اختفت شوائبه.
وبقيت الأشياء الجميلة فقط.
صار في حكاياتها رجلًا نادرًا.
زوجًا مثاليًا.
إنسانًا لا يخطئ.
بعد أربعين يومًا.
دق الباب.
كانت امرأة لا تعرفها.
في الخمسين تقريبًا.
ملامحها متعبة.
وعيناها تحملان قلقًا قديمًا.سألت:
— أهذا بيت الأستاذ حامد؟
شعرت زينب بشيء بارد يمر في جسدها.
— نعم.. ماذا تريدين؟
قالت المرأة:
— أريد أن أراه.
صمتت زينب لحظة.
ثم أجابت:
— مات.
بدا وكأن المرأة لم تسمع.
حدقت فيها طويلًا.
ثم جلست على أقرب مقعد.
وبدأت تبكي.ليس بكاء المعارف.
ولا بكاء الجيران.ولا بكاء الأصدقاء.
كان بكاء شخص خسر جزءًا من عمره.
عرفت زينب.قبل أن تتكلم المرأة.
عرفت.فالنساء يعرفن.
وحين أخرجت الزائرة صورة قديمة من حقيبتها لم تتفاجأ.
كان حامد فيها.
وكانت هي بجواره.
شعرت زينب أن شيئًا داخليًا ينكسر.لكنها تماسكت.
سألت بهدوء:
— منذ متى؟
أجابت المرأة:
— منذ أكثر من عشرين عامًا.
عشرون عامًا.
كادت زينب تضحك.
عشرون عامًا كاملة عاشها بحياتين.
كانت المرأة تتحدث.
لكن الكلمات صارت بعيدة.
بعيدة جدًا.
أما زينب فكانت ترى أشياء أخرى.
رحلات العمل.
المكالمات الغامضة.
التأخير المتكرر.الأعذار.
كل شيء عاد فجأة.
كأن الموت لم يدفن شيئًا.
وقفت الزائرة لتغادر.
وعند الباب قالت:
— سامحيني.
ثم أضافت بعد تردد:
— لكنه كان يحبك.
ابتسمت زينب بمرارة.
قالت:
— ويبدو أنه كان يحبك أيضًا.
هزت المرأة رأسها.
ثم قالت جملة أخيرة:
— لا.. لو كان يحبني لما بقي معك كل هذه السنين.
وغادرت.
في تلك الليلة لم تنم زينب.
لأول مرة منذ موته.
وعندما اقترب الفجر قامت من سريرها.
فتحت خزانته.
وأخرجت معطفه الشتوي.كانت تريد أن تشم رائحته.
مرة أخيرة.
لكن شيئًا سقط من الجيب الداخلي.
مظروف قديم.أصفر الحواف.
مكتوب عليه بخطه:
"يُفتح بعد موتي."
ارتجفت أصابعها.
فتحت الرسالة.
وقرأت.
"زينب..إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فأنا رحلت.
وأعرف أنكِ ستكتشفين كل شيء.لهذا أكتب.
كنتُ جبانًا.هذه هي الحقيقة.لم أستطع أن أتركك.ولم أستطع أن أتركها.عشتُ نصف رجل.
وأذيتكما معًا.لكن هناك شيئًا لم أقله لكِ أبدًا.قبل خمسة وعشرين عامًا.. عندما أخبرك الطبيب أنكِ لن تمشي مجددًا بعد الحادث..بعتُ البيت الذي ورثته عن أبي لأدفع ثمن علاجك.
ولم أخبرك.وحين أخبروني بعد سنوات أنكِ لن تنجبي ثانية، بكيتُ وحدي.ولم أخبرك.
وحين أحببتُ امرأة أخرى..كرهتُ نفسي.
ولم أخبرك.أعرف أنني لا أستحق الغفران.لكنني أريدكِ أن تعرفي شيئًا واحدًا فقط.طوال ثلاثة وثلاثين عامًا..لم أنم ليلة واحدة دون أن أبحث عن يدك في الظلام."
توقفت زينب عن القراءة.
ونظرت إلى الجانب الآخر من السرير.
المكان الفارغ.
المكان الذي كانت تصل إليه يداه كل ليلة.
ثم انهارت باكية.لأن الرسالة لم تُبرئه.
ولم تُدنه.
بل فعلت ما هو أسوأ.
أعادته إنسانًا.
طارق الحلوانى
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire