dimanche 17 mai 2026

غناء العصافير الجريحة *** ✍️ محمود اسماعيل حلس

         غناء العصافير الجريحة
(قصة قصيرة)
            
        كنا صغارا، وكان حزيران وشمسه اللاهبة، لا نعرف من الدنيا غير أزقة ترابية نجوبها حفاة طول النهار، ندنو من أطراف المدينة نلهو بين البساتين والحقول، ونعود عند أفول الشمس.
 آنذاك وحين تمكن الليل من الدنيا، تمكنت دبابات اليهود وآليات الحقد من الصعود الى تل المنطار المشرف على مدينة غزة من جهة الشرق، وكان المقاومون المرابطين والجنود المصريين قد اقاموا على سفحه معسكرا صغيرا بين الأشجار، فقصفته دبابات العدو بضراوة.

في الصباح، مازلت اذكر ذاك الصباح، ولسوف اذكره ما حييت، كانت الكلاب تجر بأفواهها اعضاء بشرية، راكضة تبحث عن ركن تلتهم فيه وليمتها النادرة، والأهالي يركضون خلفها يلملمون إنسانيتهم المذبوحة.

لا شيء يفعل في النفوس، فعل الهزيمة والنصر، في الحالتين تكون الروح في أقصى حالات التجلي أو التلاشي، الروح في الحالتين هشة.

المذياع يردد ان مدينة القدس قد سقطت، وان اليهود اقتحموا المسجد الأقصى.

صمت ثقيل، الشفاه تيبست فقد ودعت الكلام، حقا لا معنى للقول وسط "نباح" المدافع، لم يكسر هذا الصمت غير البكاء، حتى الرجال بكوا، وحين يجهش الرجال بالبكاء، ندرك نحن الصغار ان أمراً جللاً قد حدث.

الهزيمة وإنكسار الحلم والوعد، ذهول، وحده الذهول طاغ، من يصدق ما حدث؟! لا احد !!! حتى العدو جن جنونه وزعم ان الرب كان معه يقاتل.

أرضعت آمنة طفلها العليل، وغفت إغفاءة بين غارتين، إحتضنته الجدة تهدهده بـ(غنائها) وتقيه برد الليل الزاحف وحقد الغزاة الذين يدكون الحياة بمدافعهم وأكاذيبهم.
فجأة أنَّ الصغير أناته الآخيرة وانطفأ، والليل لايزال في أوله، أدركت الجدة أن الحياة قد انكفأت بين يديها، لكنها واصلت الغناء له تهدهده وقلبها باك، لم تخبر احداً، وما الجدوى! وهل بالمستطاع مواراته الثرى في التو! من بوسعه السير في الطرقات والموت متوج بين القذائف والشظايا؟!!

كانت الحرب طاحنة، تهز البيوت والفضاء والخيول والطيور والشجر، من لا يموت في الملاجيء، يموت على قارعات الطرق.

هبت آمنة من غفوتها تفتش بعينيها وكفيّها وروحها عن طفلها لتحتضنه.
قالت لها الجدة، دعيه ينام يا ابنتي .. دعيه ينام، في النوم راحة، وواصلت الغناء له حتى الصباح!.
        
         ✍️ محمود اسماعيل حلس

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire