صلة الرحم التكافل
الاجتماعي ..!
الحمد لله خَالقِ الأنَام، المحمود سبحانه أبدًا على الدَّوام، حثَّ المُؤمنين على المحبَّة والوئام، ونَدَبهم إلى التزاوُر وصِلة الأرحام، وحذَّرهم من التَّدابر والقطيعة والخِصام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى الإمام، نبي الرحمة ورسول السلام، وعلى آله وصحابته الكرام، مَن في خير مَقام وأسعد مُقام.
أيها المؤمنون، إنه من مقاصد الإسلام العالية، وركائزه العظام السامية، نشرُ المحبة والألفة بين العباد، ونبذ التخاصم والتدابر والأحقاد، قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
وقال تعالى واصفًا حالَ المؤمنين السابقين: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
وقال عليه الصلاة والسلام، كما ثبت من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى . فهذه النصوص - وغيرها كثير - تدلنا على أن الألفة والمحبة بين المؤمنين من أعظم مقاصد هذا الدين، وأنها نعمة كبرى، ومِنَّة عظمى، تستحق شكرها والتواصي بها، وبذل الجهود من أجلها، لا سيما ونحن في زمن تقطَّعت فيه أواصر العلاقات، وتأجَّجت فيه نيران العداوات والخصومات.
وعملًا بهذا المقصد العظيم والأصل المتين، أمرت الشريعة بصلة الأرحام، ونهت عن القطيعة والخصام.
عباد الله، إن صلة الرحم من أوجب الواجبات، وأعظم الطاعات والقربات، ومن أجلِّ العبادات والأعمال الصالحات، وهي في أبسط معانيها، وأوضح معالمها: إيصال النفع والخير لذوي القربى، ودفع الشر والأذى عنهم
وقد اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة، وأن قطيعتها محرمة، ولو كان الموصول كافرًا، فقد صحَّ عَن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ،قَالَتْ: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أمَّكِ" فأمرها صلى الله عليه وسلم بصلتِها وهي كافرة
وهذا من المحاسن التي جاءت بها شريعة الإسلام، ومن المبادئ السامية التي حث عليها نبينا عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي كَعبِ بْنِ لُؤي، أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بَنِي عَبْدِشَمْسٍ، أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ، أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يا بَنِي عَبْدِالْمُطلِبِ، أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا فَاطِمَةُ، أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، غَيْرَ أنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأبُلُّهَا بِبِلالِهَا)) أي: إن لكم قرابة سأصلها بصلتها وبالإحسان إليها، ولكني لا أغني عنكم من الله شيئًا وهذا هو حال المسلم؛ لما يفيض قلبه محبةً ورأفةً ورحمةً على جميع خلق الله، فيرجو لهم الخير، ويدفع عنهم الشر والأذى ما استطاع، وخاصة ذوي القربى.
ولهذا جاءت آيات القرآن مليئة بالحث على صلة الأرحام، والتحذير من القطيعة والهِجران، ومن هذه الآيات قول الله تعالى:﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾ [النساء: 1]؛ أي: اتقوا الله تعالى أن تعصوه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها
ومن الآيات التي تحث على صلة الرحم، قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ فذكر سبحانه وتعالى من جملة المأمورات: الإحسان إلى ذوي القربى، استبقاء لأواصر الودِّ بين الأقارب؛ إذ كان العرب في الجاهلية قد حرَّفوا حقوق القرابة، فجعلوها سببَ تنافسٍ وتحاسد وتقاتل، وحسبك ما كان بين بكرٍ وتغلب في حرب البسوس، وهما أقارب وأصهار، فلذلك حث الله تعالى على الإحسان إلى ذوي القربى والرحم.
ومن الآيات كذلك قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾ أي: والذين يصلون الرحم التي أمرهم الله بوصلها، فيعاملون الأقارب بالمودة والحسنى، بإيصال الخير إليهم ودفع الأذى عنهم بقدر الاستطاعه فهؤلاء لهم عقبى الدار، وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة
عباد الله، إن صلة الرحم علامة من علامات كمال الإيمان، وخَصلة من خصال أهل الورع والإحسان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت))
وأخبر عليه الصلاة والسلام أنَّ من وصل رحِمَه، وصله الله تعالى برحمته وبعطفه وإحسانه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَت الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ ففي هذا الحديث تعظيمُ شأن الرحم، وفضل واصلها، وعظيم إثم قاطعها
عباد الله، إن صلة الرحم من أعظم الأسباب الموجبة لدخول الجنان، والوقاية من النيران، فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ سَلَام، قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ
فاللهم اجعلنا من الواصلين لأرحامهم يا رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..!
سمير طه .
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire