lundi 8 juin 2026

أ. د. لطفي منصور ***رَنَّةُ المحمول

أ. د. لطفي منصور
رَنَّةُ المحمول:
رنَّ المحمولُ عندي رَنَّةً في الصباحْ ، تضاهي رنّاتِ الْمثاني والْمَثالِثْ، فأيقظتني من سباتٍ عميقْ ، فتحتُ عينَيَّ ، وإذا بالشّمسِ قدِ ارتفعت، حملتُ الْهاتِفَ ونظرتْ ، فإذا تُحفةٌ أدبيَّةٌ تَنْتَظِرُنِي من صديقٍ عزيزٍ حبيبٍ هو الشاعِرُ الأَديبُ  جريس دُبَيّات.
حدَّقْتُ في المكتوبْ. فوجدتُه أبياتًا شعريَّةً - على بحرِ الوافرِ - رقراقَةً تسيلُ كَالتِّبْرِ، بأُسلوبها السَّلِسِ نعومَةً ورِقَّةً ولطافةً. قرأتُ ثُمَّ قَرَأْتُ بلَهَفٍ شديدٍ،
لم أشَأْ أنْ أذهبَ إلى مَكْتَبَتِي ، واكتفيتُ بالجلوسِ على حافّةِ السَّرِيرِ  وكتبتُ:
صباحُ الْفُلِّ والياسَمِينِ صديقي جريس  دُبَيّاتْ!
ما أحلاها من أبياتْ ، يعجزُ عن مثلِها ابْنُ الزَّيّاتْ.
فهي الجمالُ والبهاءُ والنباتُ ، لا حشوَ فيها ولا شَتاتْ. لو كنتُ شاعرًا لأتيتُ في نَعْتِها بِأَحْسَنِ الصِّفاتْ.
هي منكَ هديَّةٌ سَنِيَّةْ ، وهي عندي خيرُ محظيّةْ،
سأجعلُها خَيْرَ مَطِيّة ، أَحْفَظُها في حنايايَ طَوِيّة، إذا شاءَ ربُّ البريّةْ.
رَكبتُ صديقيَ الْغالي سفينَةَ بحرِكَ الوافِرْ ، ومَخَرْتُ في عُبابِ مَوْجِ فكرِكَ الزّاخِر ، فانكشفَ إلَيَ  إبداعُها السّاحِرْ .
وغُصْتُ عميقًا في لُجَجِ بحارِكْ ، وعرفتُ جمالَ أسرارِكْ، خَرَجْتُ وقدِ امتلأتْ يدايَ  دُرَرًا ولآلِئَ من فيضِكْ.
أخي الكريم!
طَوَّقْتَ عُنُقي بِأعْلاقِكَ النفيسَةِ ، قلائِدَ أَتِيهُ بها على أكاليلِ الزّمانْ ، فغبطني عليها أستاذايَ الشَّيْخانْ ، العلّامتانْ ، الدّارِسانِ الْمُحَقِّقانْ. شاكرٌ - كما تفضلتَ - وهارونْ ، ليتَ لَوْ سقطَتْ حروفُكَ الوضيئَةُ في حَوْزَتِهِما، إذًا لانتعشتْ بهيبتِها روحاهُما.
إنّي فخورٌ بما أبدعتْ ، وَقَدْ متّعْتُ عينَيَّ وَوِجْدانِي بما قرأْتُ، فاسمَحْ لي أنْ أهْدِيَ شَطْرًا من شذا عِطْرِكَ وباسمِكَ لروحيهِما الطاهرتين ،
فلهما الفضلُ الأكبرُ في تحقيقِ التراث ، وبهما اقتدينا  ، وعلى نَوْلِهِما غَزَلنا ، ومن مَعينِهِما استقينا. ولَك مني صديقي تقديري وعرفاني.
وأخيرًا ،
اسمح لي صديقي أن أُشارِكَ الأصدقاءَ بإبداعِك. فأنتَ سلكتَ في شعرِ الحُبِّ والأُلْفَةِ كلَّ الْمسالِك.
وهذه هي الأبياتُ للشاعر جريس دبيّات:

أنا راضٍ بما الأُسْتاذُ قاضِي
          وَفَرْضُ الشَّيْخِ في التَّحْقيقِ ماضِي
وَتَبْقَى الضّادُ والأَضْدادُ زَهْرًا
                         تُغازِلُهُ بِرَوْضِ أبي رِياضِ
تَرَضَّى شاكِرٌ ما فِضْتَ فَضْلًا
                   وَهارونٌ بِمَا عارَضْتَ راضِي
أَضِفْ ما شِئْتَ إنِّي جِئْتُ ضَيْفًا
                    يَهيمُ بِمَا تَضُمُّ مِنَ الرِّياضِ
————-
انظروا أيُّها الأصدقاء إلى الإعجاز في حرف الضّاد. فقد تكرّرَ في هذه الأبيات الأربعة سبعَ عَشْرَةَ مرّة في  سبعَ عَشْرَةَ كلمةً. أليسَ هذا عَجَبًا ومهارَةً وإعْجازًا ؟!
انظروا إلى الجناس في كلمات: قاضي ، ماضي ، راضي ، جناسٌ تامٌّ ثمّ رياضِ. ما أجمله من بديع !!
الأضْداد: ظاهرة في اللغةِ العربيّة. هناك قدرُ أربعينَ كلمةً لها معنيان متضادّان مثل : الْجَوْن للأبيض والأسود ؛ الُّسُّدْفَةُ وهي الظُّلْمَةُ والضَّوْءُ . هذه الكلمات جمعها اللغويون وأشهرُهم محمدابن القاسم الأنباري له كتاب الأضداد ، وتوسع فيه؛ وهناك ثلاثة كتب في الأضداد في مجلّدٍ واحدٍ للأصمعيّ والسجستاني وابن السِّكِّيت، وأضافوا إليها كُتيِّبًا للصّغاني.
شاكر: هو أحمد محمد شاكر المصري: من كبار المحققين للتراث العربي في مصر. (ت ١٩٥٨م).
هارون: عبد السلام محمد هارون: من علماء مصر تتلمذ على يد شاكر وبرع في التحقيق. (ت ١٩٩٨م).

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire