أشجان قاهرة ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كانت تعرف لون الجوع من زجاج السيارات.
عند إشارة القصر العيني كانت تقف كل صباح، تحمل علب المناديل في ذراعين نحيلتين، وتتنقل بين السيارات قبل أن يفر الضوء الأخضر. بعض السائقين كانوا يغلقون النوافذ كأن الفقر مرض معد، وبعضهم يشترون منها مناديل لا يحتاجونها. أما هي فكانت تحتاج كل شيء.
خلفها كانت القاهرة تدور كطاحونة لا تتعب.
وأمامها كان العمر يمر بين إشارة حمراء وأخرى خضراء.
لم تولد أشجان لهذا المكان.
جاءت من قرية بعيدة بعد موت أبيها. تركت بيتا ضاق بها حتى صار فخا، وأمًا كانت تبكي كثيرا وتصمت أكثر. وحين هربت إلى القاهرة ظنت أنها تهرب نحو النجاة.
لكن المدينة استقبلتها على طريقتها.
في أول ليلة، بين عربات قطار صدئة متروكة للنسيان، تعلمت أن الليل له أنياب. وحين استطاعت الهرب بعد أسابيع من الجحيم، وجدت نفسها تبكي أمام مقام السيدة زينب.
هناك التقطتها عجوز من بين دموعها.
منحتها سريرا في غرفة ضيقة داخل تل العقارب، ولقمة تسد الجوع، ثم دفعتها إلى بيع المناديل عند الإشارة.
في البداية ظنتها ملاكا.
ثم اكتشفت أن الملائكة لا تتاجر بالأطفال.
عندما أخبرها الطبيب بأنها حامل، شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
لم تعرف الأب.
كيف تعرفه وقد عبر فوق روحها رجال كثيرون كأنها طريق مهجور؟
ليالي طويلة قضتها تفكر في التخلص من الجنين. كانت ترى وجهه أحيانا كوصمة، وأحيانًا كنافذة صغيرة يدخل منها الضوء.
وفي النهاية اختارت الضوء.
كبر بطنها بينما كانت الحارة تغرق أكثر في الظلام. كانت ترى الأجساد تتمدد مع الغروب على الأرصفة كأن النهار لفظها خارج قلبه، وترى الصبية يطاردون جرعات النسيان، والنساء يبعن ما تبقى من أعمارهن من أجل يوم جديد.
ثم جاءت ليلة الولادة.
كانت العجوز تدور في الغرفة الضيقة كقطة تترقب فريستها، بينما كانت أشجان تتلوى فوق سرير حديدي متهالك.
لم تكن تخاف الألم.
كانت تخاف ما بعد الألم.
في كل صرخة كانت تنظر إلى الباب.
تتخيل يدا غريبة تمتد إلى طفلتها وتحملها بعيدًا.
وعندما انطلق البكاء الأول، لم تسأل عن نفسها.
جذبت الصغيرة إلى صدرها بكل ما بقي فيها من قوة.
كأنها تنتزعها من العالم كله.
وظلت مستيقظة حتى الصباح.
لم تغمض عينيها لحظة واحدة.
في تلك الليلة فقط فهمت لماذا تقاتل الأمهات.
ذات ظهيرة قائظة توقفت سيارة فاخرة عند الإشارة.
طلبت منها سيدة وقورة علبة مناديل وأعطتها ورقة نقدية كبيرة، ثم انطلقت قبل أن تأخذ الباقي.
بعد أيام عادت.
استمعت إلى حكايتها كاملة.
وللمرة الأولى، بينما كانت تتكلم، لم تشعر أشجان بأنها متهمة أو موضع شفقة.
فقط إنسانة.
عملت عند السيدة فترة قصيرة في رعاية أمها المريضة. وعندما ماتت العجوز، حصلت على مكافأة أعادتها إلى الشارع، لكنها أعادتها أيضا بفكرة جديدة.
كانت تعرف عشرات النساء اللواتي يشبهنها.
نساء سقطن لأن أحدا لم يمد لهن يدا في الوقت المناسب.
استأجرت محلًا صغيرا أغلقه أصحابه بعد نزاع على الميراث.
وفي صباح باهت وقفت أمامه تحمل لافتة خشبية جديدة.
تجمع بعض الصبية يراقبونها.
ضحك أحدهم وقال:
ــ هو انتي بقيتي معلمة؟
ابتسمت ولم ترد.
ثبت العامل المسمار الأول.
ثم الثاني.
وارتفعت اللافتة أخيرا:
"أشجان للخدمات"
للحظة شعرت أن الاسم لا يخصها وحدها.
كان يخص كل امرأة نامت جائعة.
وكل طفلة هربت من بيتها.
وكل يد امتدت تبحث عن نجاة فلم تجدها.
رفعت رأسها نحو اللافتة طويلا.
ثم دخلت المحل وأغلقت الباب خلفها.
لأول مرة منذ سنوات لم تكن تهرب من شيء.
كانت تتجه إلى شيء.
في البداية ضحك الناس.
بائعة المناديل تريد إدارة مكتب تشغيل!
لكنها لم تسمع لأحد.
كانت تسجل بيانات النساء بنفسها، تعلمهن القراءة إن جهلنها، وتدربهن على أعمال النظافة ورعاية الأطفال وكبار السن. وكانت ترفض تشغيل أي سيدة قبل أن تتأكد من المكان الذي ستذهب إليه.
شيئا فشيئا كبر المكتب.
وكبرت ابنتها معه.
دخلت المدرسة.
ثم الإعدادية.
ثم الثانوية.
وكانت أشجان، كلما رأت دفترا أو كتابا في يدها، تشعر أنها انتزعت حجرا جديدا من الجدار الذي سجنت خلفه يوما.
مرت السنوات.
وفي صباح شتوي دخلت فتاة إلى المكتب.
كانت ترتجف.
ملابسها رثة، وعيناها تحملان ذلك المزيج القديم من الخوف والإنهاك.
جلست أمام المكتب الخشبي.
وسردت حكايتها.
أب مدمن.
أم عاجزة.
تحرش.
هروب.
شارع.
ليالٍ بلا سقف.
ورجال لا يتذكرون الوجوه التي يكسرونها.
ظلت أشجان تستمع دون أن تقاطعها.
كأنها تسمع صوتها يخرج من بئر بعيدة.
وحين انتهت الفتاة من الكلام، ساد الصمت.
أخرجت أشجان استمارة تشغيل من الدرج.
كتبت الاسم ببطء.
ثم رفعت رأسها نحو النافذة.
في الخارج كانت المدينة كما هي.
الضجيج نفسه.
العجلة نفسها.
والجوع نفسه.
أدركت فجأة أنها لم تهزم القاهرة.
لم تغير الحارة.
لم توقف طاحونة الفقر.
فالمدينة ما زالت تصنع الضحايا بالمهارة نفسها.
كل ما فعلته أنها أمسكت بيد بعضهم قبل السقوط.
دفعت الاستمارة نحو الفتاة وقالت:
ــ من بكرة تشتغلي معانا.
رفعت الفتاة رأسها.
ولأول مرة ابتسمت.
عندها فقط ابتسمت أشجان.
كانت تعرف أن المدينة لا تعتذر لأحد.
لذلك قررت أن تفعل هي.
يونيو ٢٠٢٦
(بها جزء كبير من الحقيقة)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire