ام مروة.. مصنع رجال.
مررت اليوم من أمامها فرأيتها تسير بخطوات أثقلها الزمن. كان ظهرها قد انحنى قليلا تحت وطأة السنين، وشدت حول ثوبها حزاما بدا وكأنه يحاول أن يسند ما أتعبه العمر. ألقيت عليها السلام كعادتي، فبادلتني بابتسامة هادئة ما زالت تحتفظ بشيء من قوة الماضي رغم كل ما مر بها. وكلما سلمت عليها سألتني عن عائلتي وأولادي، وترحمت على أبي وأمي.
إنها أم مروة، امرأة عظيمة بحق.
رحل زوجها في الحرب وهي ما تزال في ريعان شبابها، تاركا لها أربعة أطفال ومسؤولية بحجم الجبال. وكانت يومها امرأة جميلة وفي مقتبل العمر، لذلك لم يتأخر الخطاب عن طرق بابها بعد وفاة زوجها. لكن جوابها كان واحدا في كل مرة. كانت ترفض بثبات لا يعرف التردد، وتقول إنها تريد أن تعيش على ذكرى زوجها، وأن تكرس حياتها لتربية أطفاله ورعايتهم.
وأذكر أنها قالت يوما لأمي وعيناها تغرورقان بالدموع إنها كانت تتمنى لو عاد إليها زوجها مقطع الأطراف وطريح الفراش، فتقوم على خدمته وتفديه بعمرها، على أن تفقده إلى الأبد.
كانت كلمات خرجت من قلب عرف معنى الوفاء الحقيقي. وفاء لا يقال بالكلمات، بل يترجم كل يوم بالصبر والتضحية والإخلاص.
لم تكن حياتها سهلة. وجدت نفسها في مواجهة الدنيا وحدها، لكنها لم تستسلم. فتحت ركنا صغيرا من بيتها وحولته إلى محل متواضع تبيع فيه بعض المواد الغذائية. كانت تأخذ البضاعة بالدين، ثم تسدد أثمانها بعد بيعها. يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، كانت تكافح لتؤمن لقمة العيش لأطفالها، وتحفظ لهم كرامتهم، وتمنحهم فرصة الحياة التي حرم منها والدهم.
ومضت السنوات مسرعة، وكبر أولادها وأصبحوا اليوم رجالا يشار إليهم بالبنان. كبروا على تعبها وسهرها، وعلى دعواتها التي كانت تسبق خطاهم في كل طريق. كبروا على دموع أخفتها عنهم كي لا تنكسر صورتها في أعينهم. لم يعلموا كم مرة نامت جائعة ليشبعوا، ولا كم مرة أوجعها التعب فأخفته خلف ابتسامة مطمئنة، ولا كم مرة حاربت اليأس بصمت كي تزرع الأمل في نفوسهم.
وحين رأيتها اليوم أدركت أن ذلك الانحناء في ظهرها ليس من أثر العمر وحده، بل من ثقل سنوات طويلة من المسؤولية والكفاح والصبر. إنه انحناء امرأة حملت أسرة كاملة على كتفيها حتى أوصلتها إلى بر الأمان.
أم مروة ليست مجرد امرأة فقدت زوجها، بل قصة وفاء نادرة، ومدرسة في التضحية، وشاهد حي على أن بعض الأمهات يخفين في قلوبهن من القوة ما يفوق قوة الرجال والجيوش.
فمثل هؤلاء النسوة لا تصنعهن الأيام، بل هن من يصنعن للأيام معانيها. يمضين في دروب الحياة بصمت، لكن أثرهن يبقى خالدا في القلوب. هن قدوة للأجيال ومثال للوفاء والصبر والعطاء، وتبقى سيرتهن نورا يهتدي به كل من عرف قيمة التضحية ومعنى الإخلاص.
ام مروة ليست امرأة عادية، بل مصنع رجال خرج إلى المجتمع أبناء صالحين يحملون من أخلاقها وصبرها وعزيمتها ما يجعلها تفخر بهم ويفخر بها كل من عرف قصتها.
محمد الدراجي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire