mardi 9 juin 2026

د. عبد الهادي حميتو

حمار الشعراء

قصيدة على بحر الرجز ظريفة ومباركة هي إحدى روائع العصر بحقّ! وهي من مائة وثلاثة وثلاثين بيتا، للشيخ العلّامة عبد الهادي حميتو حفظه الله، وقد شفعها بأخت لها سأنشرها أيضا مشكولة معتنى بها إن شاء الله (وقد تمّ)، تستحقّ أن تحفظ وتدرس وينوّه بها بين الفضلاء، وقد منّ الله عليّ فحفظتها غيبا، وعنيت بتدقيق نصّها المنشور في الشبكة، وضبطتها بالشكل التامّ، وجزى الله خيرا منشئها وجميع من يسعى في نشرها من تلامذة الشيخ ومحبّيه، كشيخنا الحبيب وليد المنيسي حفظه الله، والقارئ المتقن الشيخ محمد سايد حفظه الله الذي ألقاها بصوته إلقاء طيّبا ومن تسجيله تحفّظتها، وكالشيخ المقرئ يحيى الفيفي حفظه الله الذي من أجله أنشئت فنال بها ذكرا عاليا وشرفا باذخا! ونال بفضله كل ناظر فيها سعادة وظرفا ولطفا وأدبا وثقافة إسلاميّة واسعة! ودونكم القصيدة:

جَشَّمْتَنِي النَّظْمَ عَلَى بَحْرٍ عَرَا
مِنَ الْقَوَافِي نَبَذُوهُ بِالْعَرَا
أَوْ هَكَذَا يَبْدُو لِعَيْنَيْ نَاظِرٍ
لِقِلَّةِ الْحَفْلِ بِهِ فِيمَا يُرَى
إِذْ هَجَّنُوهُ فَامْتَطَاهُ كُلُّ مَنْ
رَامَ وَسَمَّوْهُ: "حِمَارَ الشُّعَرَا"
أَلَا تَرَاهُ فِي الْبُحُورِ خَامِلًا
مُمْتَهَنًا بَيْنَ الْقَصِيدِ مُزْدَرَى
مُقْتَرِنًا فِي الذِّهْنِ بِابْنِ عَاشِرٍ
وَبِابْنِ مَالِكٍ وَقَارِئٍ قَرَا
وَمُعْرِبٍ لِقَامَ زَيْدٌ وَأَتَى
عَمْرٌو وَهَمَّ عَامِرٌ بِعُمَرَا
وَحَيْثُمَا فَتَحْتَ دِيوَانًا فَلَا
تُبْصِرُ لِلرَّجَزِ فِيهِ أَثَرَا
قَدْ أَخْمَلُوهُ مِنْ قَدِيمٍ بَيْنَهُمْ
فَلَيْسَ فِي شِعْرِ الْفُحُولِ يُقْتَرَى
قَبْلِي تَخَطَّاهُ الْكِبَارُ فَعُنُوا
بِغَيْرِهِ وَكَادَ أَنْ لَا يُذْكَرَا
إِلَّا أُبَيَّاتًا هُنَا أَوْ هَهُنَا
مِمَّا يَنِدُّ تَارَةً أَنْ يَخْطُرَا
وَفِي الْمُعَلَّقَاتِ لَا ذِكْرَ لَهُ
وَلَا انْتَحَاهُ عُرْوَةٌ وَالشَّنْفَرَى
وَلَا جَرِيرٌ وَالْفَرَزْدَقُ وَلَا الْـ
ـأَخْطَلُ وَالرَّاعِي النُّمَيْرِيُّ اسْتَرَى
وَالْغَزَلُ الْعُذْرِيُّ لَمْ يُلْمِمْ بِهِ
فِي وَصْفِ عَبْلَةَ بِشِعْرِ عَنْتَرَا
وَلَا بِهِ عُرْوَةُ فِي أَقْرَائِهِ
فِي حُبِّ عَفْرَاءَ الْمُحَيَّا عَفَّرَا
وَلَا الْكُمَيْتُ وَجَمِيلٌ وَكُثَيْـ
ـيِرٌ وَمَنْ شَعَرَ فِي أُمِّ الْقُرَى
وَفِي الْكُنَاسَةِ وَسُوقِ مِرْبَدٍ
وَكُلِّ مِصْرٍ قَدْ بَدَا أَوْ حَضَرَا
وَلَوْ تَقَرَّيْتَ الْحِجَازَ وَالشَّآ
مَ وَالْعِرَاقَيْنِ وَمَا تَمَصَّرَا
وَطُفْتَ فِي مِصْرَ وَفِي أَنْدَلُسٍ
وَالْقَيْرَوَانِ مَعْشَرًا فَمَعْشَرَا
فَلَنْ تَرَى لِلْخُلَفَاءِ مَادِحًا
وَلَا الْوُلَاةِ كُلِّهِمْ وَالْوُزَرَا
مَنْ أَمَّهُمْ بِرَجَزٍ فَنَالَ مِنْ
عَطَائِهِمْ كَمَا يَنَالُ الشُّعَرَا
فَلَا أَبُو تَمَّامٍ اَوْ قَرِيعُهُ
أَبُو عُبَادَةَ لَهُ قَدْ نَشَرَا
وَلَا أَبُو الطَّيِّبِ فِي مُعْجِزِهِ
قَدَّمَ فِي الْقَوْلِ بِهِ أَوْ أَخَّرَا
وَمُدِحَ الْمُلُوكُ أَدْهَارًا فَمَا
مِنْ أَحَدٍ عَلَى قَرِيِّهِ جَرَى
فَهَلْ أَنَا فِيمَا زَعَمْتُ صَادِقٌ
يَا شَيْخُ يَحْيَى أَوْ أَقَمْتُ الْعُذُرَا؟
لَوْ شِئْتَ، قُلْتَ: مَا تَرَكْتَ ذِكْرَهُ
مِثْلُ الصَّبَاحِ ظَاهِرٌ لِمَنْ يَرَى
فَأَيْنَ مِنْكَ لَوْ تَقَصَّيْتَ الْمَدَى
شِعْرُ الْمَلَاحِمِ إِذَا الْقِرْنُ انْبَرَى
لِقِرْنِهِ وَاسْتَلَّ مِنْ قِرَابِهِ
حُسَامَهُ وَفِي الْخُطَا تَبَخْتَرَا
وَقَالَ فِي ارْتِجَازِهِ مِنْ مِثْلِ مَا
قَالَ أَبُو السِّبْطَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَا
لَمَّا دَعَا إِلَى الْمِصَاعِ قِرْنَهُ:
"أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِ أُمِّي حَيْدَرَا!"
وَقَالَ: "لَمَّا أَنْ رَأَيْتُ مُنْكَرًا
أَجَّجْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا"
وَابْنُ رَوَاحَةَ بِيَوْمِ خَنْدَقٍ
وَغَيْرِهِ كَمْ فِيهِ عَنْهُ أُثِرَا
وَمَنْ تَأَمَّلَ فُصُولَ سِيرَةٍ
لِابْنِ هِشَامٍ سَيَرَاهُ أَوْفَرَا
وَفِي الْفُتُوحِ لَمْ يَزَلْ يُنْشِدُهُ
كَمْ بَطَلٍ بَيْنَ الصُّفُوفِ افْتَخَرَا
وَكَانَ بَيْنَ الْعُرْبِ فَنًّا رَاقِيًا
مُسْتَطْرَفًا عَلَى الْقَرِيضِ مُسْتَرَى
يَوْمَ اسْتَجَادُوهُ وَأَعْلَوْا شَأْوَهُ
فَقِيلَ: "كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَا!"
وَعَادَ شِعْرُ الطَّرْدِ مِنْ أَشْرَفِ مَا
تَنَافَسَتْ فِيهِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى
وَبَاتَ عِنْدَ أَهْلِهِ مُنْتَخَبًا
لِوَصْفِ صَيْدٍ وَقَنِيصٍ يُدَّرَى
يَنْتَابُ أَسْرَابَ الْمَهَا فِي بِيدِهَا
وَيَنْتَحِي الْغِزْلَانَ فِي وَادِي الْقُرَى
وَكَانَتِ الْمُلُوكُ إِنْ تَاقَتْ لَهُ
دَعَتْ لَهُ مُفَضَّلًا وَالْأَحْمَرَا
وَالْأَصْمَعِيَّ وَأَبَا عَمْرٍو وَمَنْ
يُدْعَى أَبَا عُبَيْدَةٍ مُعَمَّرَا
وَمَنْ رَوَى الْأَرْجَازَ عَنْ أَعْرَابِهَا
وَخَالَطُوهُمْ فِي السِّفَارِ وَالسُّرَى
وَكَانَ فِي الْبَدْوِ لَهُ فَطَاحِلٌ
قَدْ نَافَسُوا فِيهِ وَطَاوَلُوا الذُّرَى
وَالْأَغْلَبُ الْعِجْلِيُّ فِي أَرْجَازِهِ
قَدْ جَاءَ فِي الْوَصْفِ بِمَا بَذَّ الْوَرَى
سَأَلَهُ عُمَرُ أَنْ يُنْشِدَهُ
فَقَالَ: قَدْ سَأَلْتَ خَيْرًا مُحْضَرَا
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَخْبُرَهُ
فَوَافَقَ الْخُبْرُ لَدَيْهِ الْخَبَرَا
وَكَانَ قَدْ سَنَّ الْأَرَاجِيزَ الطِّوَا
لَ كَالْقَصَائِدِ بِهِنَّ اشْتَهَرَا
وَالرَّاجِزُ الْعَجَّاجُ فِي آثَارِهِ
قَدْ جَاءَ فِي الْأَرْجَازِ يَقْفُو الْأَثَرَا
فَكَانَ يَقْفُو أَثَرَ الْعِجْلِيِّ فِي
مَيْدَانِهِ وَفِي عِنَانِهِ جَرَى
وَجَاءَ مِنْهُ بِالَّتِي مَطْلَعُهَا:
"قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ" جَبَرَا
وَرُؤبَةٌ فِي "قَاتِمِ الْأَعْمَاقِ خَا
وِي" قَدْ تَلَا ذَاكَ السَّبِيلَ وَاقْتَرَى
فَغَاصَ فِي اللُّغَى عَلَى مُعْتَاصِهَا
فَبَاعَ مِنْهَا فِي الْغَرِيبِ وَاشْتَرَى
وَلِأَبِي النَّجْمِ أَخِي عِجْلٍ بِهِ
مَا لَيْسَ يَشْأُو شَأْوَهُ مَنْ شَعَرَا
وَكَانَ فِي عَهْدِ بَنِي أُمَيَّةٍ
مُقَدَّمًا فِي ذَاكَ بَيْنَ الشُّعَرَا
قَدْ جَاءَ ثَالِثَ الثَّلَاثَةِ الْأُلَى
قَدْ ذَلَّلُوهُ مَوْرِدًا وَصَدَرَا
وَكَمْ وَكَمْ مِنْ رَاجِزٍ فَحْلٍ وَكَمْ
مِنْ حَادِ أَيْنُقٍ بِهِ الْبِيدَ فَرَى
مِمَّنْ رَوَى الْأَرْجَازَ عَنْ رُوَاتِهَا
أَهْلِ الْعِمَادِ وَتَبَدَّى فِي الْبَرَى
وَسَمِعَ الْعَرَبَ فِي أَمْثَالِهَا:
"عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى"
وَقَوْلَهُمْ: "شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي
طُولَ السُّرَى" إِذْ طَالَمَا بِهِ سَرَى
وَقَوْلَ مَنْ قَالَ لِمُبْدٍ كِبْرَهُ:
"أَطْرِقْ كَرَا، إِنَّ النَّعَامَ فِي الْقُرَى!"
وَلَمْ يَزَلْ وَالشُّعَرَاءُ تَنْتَخِي
بِالْحِذْقِ فِيهِ فَتُثِيرُ الْعِثْيَرَا
فَلَمْ تَكُنْ بَغْدَادُ خِلْوًا مِنْهُ فِي
أَيَّامِهَا حِينَ الْقَصِيدُ ازْدَهَرَا
فَلِلْعَتَاهِيِّ بِهِ بَدَائِعٌ
فِي الزُّهْدِ حَلَّقَ بِهَا وَاسْتَأْثَرَا
وَلِلنُّوَاسِيِّ رَوَائِعُ بِهَا
فِي الْقَنْصِ وَالطِّرَادِ قَدْ تَصَدَّرَا
وَلِابْنِ مُعْتَزٍّ وَحَاذٍ حَذْوَهُ
مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ "وَسُرَّ مَنْ يَرَى"
وَابْنُ دُرَيْدٍ صَاغَ مَقْصُورَتَهُ
فَفَاقَ فِيهَا مَنْ بَدَا أَوْ حَضَرَا
"يَا ظَبْيَةً أَشْبَهَ شَيْءٍ بِالْمَهَا!"
أَعْجَزَ فِيهَا فِي الْقَرِيضِ مَنْ دَرَى
وَلَمْ يَكُ الرَّجَزُ فِي يَوْمٍ لَقًى
مُسْتَرْذَلًا أَوْ كَانَ نِسْيًا فِي الثَّرَى
بَلْ زَاحَمَ الْقَصِيدَ حَتَّى جَازَهُ
مَكَانَةً وَصَارَ مِنْهُ أَسْيَرَا
وَكَانَ فِي الْمَغْرِبِ أَوْ أَنْدَلُسٍ
مِنْهُ الْبَدِيعُ أَزْمُنًا وَأَعْصُرَا
وَحَازِمُ الْقَرْطَاجَنِي بِتُونِسٍ
قَدْ حَاكَ مَقْصُورَتَهُ مَا قَصَّرَا
لَكِنَّهُ قَدْ عُدَّ غَيْرَ حَازِمٍ
لَمَّا بِهَا قَدْ قَصَدَ الْمُسْتَنْصِرَا
فَعَابَهُ بِذَا الْمَكُودِيُّ وَلَمْ
يَعِبْ قَرِيضَهُ الَّذِي قَدْ بَهَرَا
أَمَّا الْمَكُودِيُّ فَجَادَ صَنْعَةً
وَزَادَ إِذْ مَمْدُوحُهُ خَيْرُ الْوَرَى
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ مَا لَيْلٌ دَجَا
وَجَاءَ صُبْحٌ بَعْدَهُ فَنَوَّرَا
وَلِلشَّمَقْمَقِ ابْنِ وَنَّانٍ بِهِ
قَافِيَةٌ لِقَافِهَا قَدْ كَسَرَا
مُخَاطِبًا حَادِيَهُ: "مَهْلًا عَلَى
رِسْلِكَ حَادِي" أَيْنُقٍ تَهَوَّرَا
وَلِلرِّبَاطِيِّ أَبِي عَمْرٍو لَهَا
أُخْتٌ تَقَفَّى قَافَهَا وَاقْتَفَرَا
فَجَاءَ بِالسَّهْلِ الَّذِي يَأْبَى عَلَى
مَنْ رَامَهُ وَلَوْ تَعَنَّى وَاجْتَرَا
فَهَذِهِ قَلَائِدُ الْأَرْجَازِ قَدْ
فَاقَتْ قَلَائِدَ الْحِسَانِ وَالْبُرَى
فَأَيْنَ مِنْهَا مَا تَرَانِي نَاظِمًا
وَهَلْ تُسَوِّي بِالْجُمَانِ الْحَجَرَا
مَاذَا يَقُولُ شَاعِرٌ إِنْ شَعَرَا
رَأَيْتَ فِي بُحُورِهِ مَا لَا يَرَى
أَنْشَدْتُهُ مِنْ نَظْمِهِ مَا لَمْ يَعُدْ
يَذْكُرُهُ وَوَدَّ لَوْ تَذَكَّرَا
مَضَيْتَ فِيهِ حَافِظًا لَهُ كَمَا
لَوْ كَانَ مِنْ آيِ الْكِتَابِ سُوَرَا
مَا بَيْنَ بَحْرٍ كَامِلٍ وَوَافِرٍ
وَرَمَلٍ وَمِنْ بُحُورٍ أُخَرَا
وَحِينَمَا افْتَقَدْتَ فِيهِ رَجَزًا
لَمْ تَرَهُ مِنْ بَيْنِهَا مُعْتَبَرَا
سَأَلْتَنِيهِ وَعَدَدْتَ مَنْ جَفَا
عَنْهُ كَمَنْ أَزْرَى بِهِ وَاسْتَحْقَرَا
وَخِلْتَ أَنِّي قَدْ هَضَمْتُ حَقَّهُ
هَجْرًا وَمَا مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُهْجَرَا
فَقُلْتُ: لَا عَتْبَ عَلَيَّ إِنَّنِي
قَدْ سُقْتُ عُذْرِي ظَاهِرًا مُفَسَّرَا
لَمَّا رَأَيْتُ الشُّعَرَاءَ نَظَمُوا
فِيهِ السِّخَابَ وَالْحَصَى وَالْبَعَرَا
هَجَرْتُهُ هُجْرَانَ قَالٍ أَوْ فَقُلْ
هُجْرَانَ زَاهِدٍ بِهِ مُسْتَصْغِرَا
وَالْآنَ قَدْ صَالَحْتُهُ مِنْ أَجْلِ مَنْ
شَفَعَ فِيهِ رَاغِبًا وَمُؤْثِرَا
قُلْ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمُرْتَضَى:
طِبْتَ حِلَالًا فِي سَلَا وَمَحْضَرَا
أَهْلًا بِنَا وَبِكَ فِي وَادِي سَلَا
مَنْ حَلَّ وَادِيهِ سَلَا عَمَّنْ وَرَا
قَدْ صَارَ مَا أَمَّلْتَ أَمْرًا وَاقِعًا
حَقًّا وَمَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى
مِنْ فَاضِلٍ مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ سَرَى
لَيْلًا وَفِي صَبَاحِهِ تَمَصَّرَا
أَتَى سَلَا فَلَمْ يَكَدْ يَثْوِي بِهَا
حَتَّى سَلَا عَنْ كُلِّ رَبْعٍ عَمَّرَا
ذَاقَ نَمِيرَ نَهْرِهَا فَلَمْ يَعُدْ
يَشْفِي صَدَاهُ غَيْرُ مَا مِنْهُ جَرَى
وَلَا يَلَذُّ مَطْعَمًا فِي غَيْرِهَا
أَوْ نَسْمَةً يَشْتَمُّهَا أَوْ بِكَرَى
فَمَرْحَبًا بِكَ حَلَلْتَ مَنْزِلًا
سَهْلًا فَفَاحَ مَنْدَلًا وَعَنْبَرَا
وَلَا تَزَلْ وَالْيُمْنُ فِي أَكْنَافِهِ
وَالْأَمْنُ وَالْأَمَانُ مَوْصُولُ الْعُرَى
يَا شَيْخُ يَحْيَى فَخْرَ فَيْفَاءَ الَّذِي
بِهِ تُبَاهِي وَتَتِيهُ مَفْخَرَا
لِيَهْنِكَ الْفَرْعُ الَّذِي تُعْزَى لَهُ
مِنْكَ الْأُصُولُ الرَّاسِخَاتُ فِي الثَّرَى
وَالْمُنْتَمِي فِي خَيْرِمَا أُرُومَةٍ
فِي الْجِذْمِ مِنْ قَحْطَانَ آسَادِ الشَّرَى
مِنْ بَطْنِ خَوْلَانَ طَلَعْتَ مَاجِدًا
مِنْ مَاجِدِينَ فُضَلَاءَ كُبَرَا
مِنْ يَحْصُبٍ وَيَشْجُبٍ وَيَعْرُبٍ
وَذِي رُعَيْنٍ وَمُلُوكِ حِمْيَرَا
وَكَانَ مِنْهُمْ لِلنَّبِيِّ الْمُصْطَفَى
مِنْ صَحْبِهِ الْأَنْصَارُ خَيْرُ النُّصَرَا
فَاهْنَأْ فَقَدْ جَمَعْتَ مَجْدًا طَارِفًا
إِلَى تَلِيدٍ حُزْتَ مِنْهُ الْجَوْهَرَا
ثُمَّ هَنِيئًا يَا ابْنَ أَسْعَدَ بِمَا
حَلَلْتَ فِي سَلَا وَطِبْتَ عُمُرَا
قَدْ شَمَخَتْ بِكَ سَلَا إِذْ صِرْتَ مِنْ
أَعْلَامِهَا وَمَنْ لَهَا قَدْ عَمَرَا
وَزِدْتَ فَخْرًا وَمَقَامًا بِالَّذِي
أَحْرَزْتَ مِنْ مَشْيَخَةٍ وَمُقْتَرَا
وَصَارَ مِنْ حَقِّ الْعُلَا أَنْ تَحْتَفِي
بِمَا ازْدَهَى بِهِ الْحِمَى وَازْدَهَرَا
لَدُنْ حَلَلْتَ فِي الدِّيَارِ طَالِبًا
فَكُنْتَ بَدْرًا طَالِعًا وَقَمَرَا
وَصِرْتَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَعُدُّهُ
إِذَا عَدَدْنَا مَنْ عَلَى الشَّيْخِ قَرَا
أَعْنِي السَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ مَنْ بِهِ
نَوَّهْتَ فِي الْمَشْرِقِ حَتَّى اشْتَهَرَا
فَأَكْبَرُ الْفَضْلِ إِلَيْكَ يَنْتَهِي
وَكَانَ فَضْلُهُ عَلَيْكَ الْأَكْبَرَا
بِمَا عَنِ السَّبْعَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ
رَوَّاكَ ثُمَّ زَادَهَا فَعَشَّرَا
صُغْرَى وَكُبْرَى وَالَّتِي لِنَافِعٍ
مِنْ طُرْقِ تَعْرِيفٍ وَتَفْصِيلٍ دَرَى
حَتَّى تَمَلَّأْتَ بِمَا أَسْنَدْتَهُ
عَنْهُ وَكُنْتَ الْفَائِزَ الْمُظَفَّرَا
خُذْهَا أَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ رَوْضَةً
غَنَّاءَ رَاقَ زَهْرُهَا وَنَوَّرَا
أَوْ كَعَرُوسٍ بَرَزَتْ مِنْ بَعْدَمَا
ظَلَّتْ يُوَارِيهَا الْحِجَابُ أَشْهُرَا
جَلَوْتُهَا عَلَيْكَ فِي مِنَصَّةٍ
لَفَّتْ حَيَاءً وَجْهَهَا أَنْ تُبْصَرَا
مَا ضَرَّهَا أَنْ لَمْ يَكُنْ مُنْشِئُهَا
يُدْعَى أَبَا النَّجْمِ أَوِ الْقَبَعْثَرَى
أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي نَفْحِ طِيبٍ أَوْ مَقَا
مَاتِ الْحَرِيرِي أَوْ لَدَى زَمَخْشَرَا
أَنْتَ الَّذِي جَشَّمْتَنِيهَا فَلْتَكُنْ
عَيْنُ الرِّضَا تُغْمِضُ عَمَّا كَدَرَا
وَإِنْ تَكُ الْأُخْرَى فَتِلْكَ مُكْنَتِي
وَلَا يُلَامُ مَنْ أَتَى مَا قَدَرَا
مَا قُلْتُهُ فِيكَ حَرٍ أَنْ يُزْبَرَا
بِالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ ثُمَّ يُنْشَرَا
لِلصِّدْقِ فِيهِ وَالْوَفَاءِ مَوْضِعٌ
مَا كَانَ يَخْفَى خَبَرًا وَمَخْبَرَا
كَمْ لِيَ مِنْ قَافِيَةٍ حَبَّرْتُهَا
فَكِدْتُ أَسْتَوْعِبُ فِيهَا الْأَبْحُرَا
كَمْ وَافِرٍ كَمْ كَامِلٍ كَمْ رَمَلٍ
كَمْ مِنْ خَفِيفٍ وَبَسِيطٍ سُطِرَا
كَمْ قُلْتُ فِي فَيْفَاءَ مِنْ قَصِيدَةٍ
عَصْمَاءَ فِيهِنَّ الْبَهَاءُ بَهَرَا
لَكِنَّنِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ أَصُغْ
فِي رَجَزٍ أَوْ هَزَجٍ كَمَا تَرَى
فَخُذْ إِلَيْكَ هَذِهِ يَتِيمَةً
رَقَّتْ وَرَاقَتْ فِي رَوِيِّ حَرْفِ "رَا"
وَلَا تَسُمْنِي بَعْدَهَا فِي رَجَزٍ
فَلَسْتُ أَمْتَطِي حِمَارَ الشُّعَرَا!
د. عبد الهادي حميتو
سلا: فاتح رمضان المعظّم 1437هـ

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire