أرجع إليّ
على نغمات نجاة (أرجع إليّ) جلست تصغي إليها باهتمام بالغ، وأطلقت لخاطرها العنان إلى ذكرياتها التي عاشتها مع حسام في البيت القديم في وسط البلد مع أمها وشقيقها أحمد.
كتبت في يومياتها:
غالبًا ما كنت أصعد مع أمي إلى شقة أم حسام بالطابق الثالث لتفرد قدميها تحت أشعة الشمس لكي تقضي على الرطوبة التي باتت تؤلمها من جراء الإقامة في الشقة الداخلية بالطابق الأرضي من نفس البيت، حيث لا يوجد بها أي منفذ لدخول الشمس إليها. فتنشغل أمي بالحديث مع أم حسام، بينما أنفرد أنا وحسام بالحديث أحيانًا أو نلهو ببعض الألعاب معًا.
لم أكن أعرف سواه في حياتي، ومعظم الوقت كنا نقضيه معًا، ما عدا الوقت الذي يذهب فيه إلى مدرسته. وكم تمنيت أن أكون قد واصلت دراستي بعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية التي توقفت عندها، لكنت أذهب معه إلى المدرسة ولا نفترق. ليس هذا فحسب، بل لكنت استطعت أن أسمو بفكري إلى مستوى تفكيره حتى لا أشعر بأي نقص في عدم مسايرته، فضلًا عن إمكانية التعبير عن مشاعري التي تملأ جسدي كله وتزداد توهجًا يومًا بعد يوم.
مرت بنا بضع سنوات، ولم يخطر ببالي أن أعرف صدى مشاعري عند حسام ومكانتي لديه، وهل يبادلني نفس المشاعر التي أكنها له. أي امرأة يسعدها أن تجد من يشاركها إحساسها ومشاعرها، فلا تتشابه مع الأحاسيس الأخرى التي تجيء نتيجة مواقف عابرة بين الناس في المدرسة أو العمل أو غير ذلك. فلا يعقل أن يأتي الرجل بعد سنوات عديدة فيصارح امرأته أنه يعتبرها بمثابة علاقة عابرة، أو أنها كأخت له.
وذات يوم صعدت أمي إلى شقة أم حسام - كالمعتاد - وطلعت خلفها أحمل طبقًا من الحلوى المفضلة عند حسام، ولما صعدت إليه فوجئت بفتاة لم أرها من قبل تجلس بجوار حسام. لا أدري ماذا حدث لي، فقد سقط طبق الحلوى واختل توازني فسقطت على الأرض. فنظرت إليه فوجدته يخفي ابتسامته حتى لا يراها أحد، وجرى نحوي يساعدني على النهوض، وهمس في أذني أنها ابنة خالتي. ولما وجدني لا أزال على حالي من الضيق والتوتر عاد ليهمس في أذني: «هي أختي في الرضاعة أيضًا».
كلما جلست إلى حسام تمنيت أن تتوقف عقارب الساعة، وألا تمر بسرعة البرق من فرط سعادتي بالقرب منه.
ولكن يبدو أن لكل سعادة ما ينغصها ويعكر صفوها، فقد فاجأتني أمي بما أحزنني حزنًا شديدًا، فقد أخبرتني بأننا لا بد أن نترك هذه الشقة ونقيم في شقة شقيقي أحمد مؤقتًا ريثما تنتهي ترميماتها بعدما ساء حالها، وبدأت تظهر بعض الشقوق في جدرانها، فضلًا عن تساقط حجارة في غرفة نومنا، ولولا عناية الله لكنت أنا وأمي في عداد الأموات.
حاولت أن أحث أمي على تأجيل الأمر أو البقاء في الشقة أثناء الترميمات، بلا جدوى، وأوضحت لي أن إخلاء الشقة يعني الانتهاء من الترميمات بعد مدة قصيرة.
تألمت كثيرًا من الفراق عن حسام، وكلما شكوت لأمي من عدم الإحساس بالراحة للبعد عن شقتنا، تحثني على الصبر ريثما ينتهي الأمر.
مرت الأيام ببطء شديد، وطالت عملية الترميمات بشقتنا بسبب تراخي العمال المكلفين بها، وعدم التزامهم بالمواعيد حسب الاتفاق معهم.
وَهَنَت صحة أمي بسبب الرطوبة التي بدأت تترك المزيد من الألم في جسدها كله، لأنها لم تعد تتعرض للشمس كما كانت تفعل عند أم حسام.
وما زال القلق يساورني لأن حسام لم يبذل أي جهد، ولو قليلًا، منذ أن تركنا شقتنا، وكأنني كنت مجرد علاقة عابرة وانتهى الأمر على هذا النحو. نسي أو تناسى ذكريات عشناها وأوقاتًا قضيناها معًا.
مرت الأيام، وبدأت أفقد الأمل في رؤية حسام، وزاد الأمر سوءًا فقدان أعز الأحباب التي كانت بمثابة الصدر الحنون، فظننت أن حسام سوف يبادر بالوقوف إلى جواري في هذه المحنة، ولكن مما يؤسف له أنه لم يبذل أي جهد بالمرة.
وقد تزوجت من أحد زملاء شقيقي أحمد في العمل، وقد وافقت على ذلك في وقت فقدت فيه الأمل في عودة حسام. فقد مرت الأيام في انتظاره في غاية الصعوبة، ونالت من صحتي فأصابها الوهن، وبدأ الشيب يغزو رأسي، ورغم ذلك لا يزال يراودني إحساس وبصيص من الأمل أن يعود حسام.
ماما، ماذا بك؟ سرحانة في إيه؟
عدت من مدرستك يا حسام؟
طبعًا يا ماما.. يلا يا ماما، أنا جائع جدًا.
نهضت المرأة من مكانها، ومسحت دموعها، ولا تزال نجاة تشاركها الأمل في عودة الحبيب إليها:
(أرجع إليّ.. صحوًا كنت أو مطرًا)
مع أطيب تحياتي
(عبد الفتاح حمودة)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire