في سِيَرْ الأوفياء 2
بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي
أجاب القوم : نحن رجالك الأوفياء ، وجنودك الأقوياء ، والأمر إليك فانظر ماذا ترى يا شيخنا الوفي ؟ وكيف كان قرار الشيخ بعد ذلك يا جدتي ؟ ألم أشترط عليك قبل أن أبدأ الحكاية بأن لا تقاطعني يا بني ؟ بلى يا جدتي ، ولكن تأثري بالحكاية وشغفي الشديد بأحداثها يجعلاني أقاطعك من غير شعور يا جدتي ، إن كان الأمر كذلك فلا بأس عليك يابني .
شكرهم الشيخ على ثقتهم الكبيرة به ، ثم انتخب منهم عشرة ، وقال : اسمعوا يا قوم ، أنا وهؤلاء العشرة ، سوف ننطلق صباح غد نحو آمري البلدة ، فإن ظفرنا بخير لحقتم بنا ، وإن فاجأتنا الأقدار بغير ذلك ، تكون الخسارة أقل . استقبلهم آمر البلدة المدني ؛ إذ جنبهم القدر وجود الآمر العسكري ، رحب بهم الآمر المدني ، وقدم لهم مائدة طعام الغذاء ، لم يطلب منهم تسليم أسلحتهم ، لكنه أذن لهم بالانصراف ؛ لزيارة الأرحام والأقرباء والأصدقاء ، وطلب منهم العودة عند الساعة الثامنة مساء إلى مقر الإدارة المدنية للبلدة ، حضر الشيخ وبمعيته ثمانية ، وغاب اثنان في ضيافة مسائية عند صديق عزيز عليهم . وصل الشيخ وأهله ، والآمر ينتظرهم بصبر نافذ ، جلس الأخير وبجانبه عبوة ناسفة ، وبها ست عشرة قطعة من المتفجرات TNT ، وطلب منهم الاحتلاق حوله ، ثم خاطبهم قائلا : أيها الرجال لقد غُرٍر بكم لسنين ، وها أنتم اليوم قد عدتم إلى رشدكم ، وسلمتم أنفسكم لحكومة البلدة الفتية الأمينة ، والحكومة ترحب بكم ، وتضعكم في حدقات عيونها ، وفي سويداء كبدها ، غير أنها لا تقبل أحدا ينظر بعينين ، نحو اتجاهين متباينين ، بل يجب أن ينظر أحدكم بعين واحدة ، وفي اتجاه واحد ، كما أنها تبتلي إخلاصكم ، وتختبر وطنيتكم بالبرهان . وهنا قاطعه الشيخ قائلا : وما هو ذلك البرهان يا آمر البلدة ؟ أجاب : البرهان هو أن تأخذ هذه العبوة ، وتنطلق أنت وثلاثة من رفاقك إلى خلف تلك الجبال حيث يقع منزل صديقك الشيخ فلان بن فلان ، ثم تسندها على الجدار أدنى الدار ، وتضع هذا المفجر (الصاعق) الشبيه بالقلم ، في خرم هذه القطعة التي تتوسط العبوة ، وبعد ذلك ما عليك إلا أن تضغط أعلاه بأصبعيك (السبابة والإبهام) حتى تشعر أنه انكسر ، عند ذلك سيكون لديك من الوقت 25 دقيقة قبل الانفجار ، تستطيع من خلالها الذهاب إلى مكان آمن ؛ لتنتظروا وتنظروا عملية الانفجار ، وكيف سيتم نسف الدار على رؤوس ساكنيه ؟ في هذه الأثناء صرخ الشيخ مقاطعا آمر البلدة ، لكن الدار يتكون من ثلاثة طوابق ؛ الطابق الأرضي يحوي أبقار الشيخ ومواشيه ، والطابق الأول ينام فيه أبناء الشيخ وبناته ، أما الطابق الثاني والأخير ، فهو مقر الشيخ وزوجته . فهل من المعقول أن حكومة البلدة تريد منا أن نبرهن بقتل هؤلاء الأبرياء الذين ليس لهم أي مشكلة معها ، تستحق أن نفعل بهم هذا الفعل المنكر الشنيع ؟
أي بني هاهو الفجر قد لاح ، والديك أزعجنا بالصياح ، والكلب قد صمت عن النباح ... غدا نستكمل حكايتنا .
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire