خاطِرَةٌ:
تَعاوَنَ خَيالي وَذاكِرَتِي مُنْذُ الدَّقائِقِ الْأُولَى. عِنْدَما وَصَلْتُ الْوادِيَ الْكَبيرَِ في قُرْطُبَةَ والْجَنائِنَ مِنْ حَوْلِهِ، وَأَخَذْتُ مَكاني عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ، تَحْتَ أَشْجارٍ وارِفَةِ الظِّلالِ ، أَنْظُرُ إلَى الْجَمالِ السَّاحِرِ شَمالًا وَجَنُوبًا عَلَى مَدِّ الْبَصَرِ.
نَعَمْ هُنا كانَ مُلْتَقَى الْوَزِيرِ الشَّاعِرِ ابْنِ زَيْدُونٍ مَعَ الْأَمِيرَةِ الشّاعِرَةِ وَلّادَةَ بِنْتِ الْخَليفَةِ الْمُسْتَكْفي، وَقَدْ نَسَجا بَيْنَهُما
أَعْظَمَ قِصَّةِ حُبٍّ واقِعِيٍّ حَفِظَها لَنا تاريخُ أَدَبِنا الْعَرَبِيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ.
يَحْتَوِي دِيوانُ بنِ زَيْدونٍ عَلَى صُوَرٍ شِعْرِيَّةٍ لِهذا الْحُبِّ، وَنَجِدُ مِثْلَ هذا في مَوْسًوعَةِ نَفْحِ الطِّيب لِلْمَقَّري، وَكَذلك في الْمُطْرِبْ في أَشعارِ أَهْلِ الْمَغْرِب لِابْنِ دِحْيَةَ الْكَلْبِي وَغَيْرِها مِنَ الْمَكْتَبَةِ الْأَنْدَلُسِيَّةِ
كانَ ابْنُ زَيْدُونٍ مُتَهَوِّرًا في عِشْقِهِ لِوَلَّادَةَ، فَوَصَفَ مِنْها أَشْياءَ أّغْضَبَتْها، فَانْقَلَبَ حُبُّها الشَّدِيدُ لَهُ إلى كُرْهٍ شَديد، فَشِلَ الشّاعِرُ في إصْلاحِهِ بِشِعٍرِ التَّوَسُّلِ الَّذي نَظَمَهُ فِيها.
يَقُولُ:
- يَوْمٌ كَأَيّامِ لَهْوٍ لَنا انْصَرَمَتْ
بِتْنا لَها حِينَ نامَ الدَّهْرُ سُرّاقا
هَذا ابْنُ زَيْدُونٍ يَعْتَرِفُ أَنَّهُ كانَ لَهْ أَيّامُ لَهْوٍ، سَرَقَها مِنَ الدَّهْرِ حِينَ نامَ عَنْهُ وَعَنْ مَعْبودَتِهِ وَلّادَةَ.
كَيْفَ لا يَكُونُ لَهُ لَهْوْ وَقَدْ عاشَ في قُرْطُبَةَ، بِجانِبِ الْوادي الْكَبِير، وَحَدائِقِهِ النّاضِرَةِ، وَيُطِلُّ مِنْ بَعِيدٍ عَلَى قُصورِ الزَّهْراءِ حَيْثُ تَسْكُنُ الْأَمِيرَةُ الشّاعِرَةُ وَصالُونُها الْمَشْهُور، وَها هُوَ يُعِدُّ حِصانَهُ لِيَلْتَقِيَ بِالشُّعَراءِ لِتَحْكُمَ لَهُ بِالْعُلُوِّ وَالتَّفُوُّقِ ، وَيُرَدِّدُ شِعْرًا في سِرِّهِ فَيَقُولُ:
- وَدَّعَ الصَّبْرَ مُحِبٌّ وَدَّعَكْ
ذائِعٌ مِنْ سِرِّهِ ما اسْتَوْدَعَكَ
- يَقْرَعُ السِّنَّ عَلَى أنْ لَمْ يَكُنْ
زادَ في تِلْكَ الْخُطا إذْ شَيَّعَكْ
- يا أَخا الْبَدْرِ سّناءً وَسنًى
حَفِظَ اللّهُ زَمانًا أَطْلَعَكْ
- إنْ يَطُلْ بَعْدَكَ لَيْلِي فَلَكَمْ
بِتُّ أَشْكُو قِصَرَ اللَّيْلِ مَعَكْ
تَذَكَّرَ عِنْدَما زارَتْهُ الْأَمِيرَةُ في قَصْرِهِ، وَمَعَها وَصيفاتُها. زِيارَةً حَفِظَها لَنا الأَدَبُ لَكِنَّ عاقِبَتَها كانَتْ شُؤْمًا عَلَى الشّاعِرِ.
وَمِنْ شِعْرِهِ في الشَّوْقِ إلَيْها نونِيَّتُهُ الْعَظيمِةُ الَّتي يُقُولُ فِيها:
- أَضْحَى التَّنائِي بَدِيلًا مِنْ تَدانِينا
وَنابَ عَنْ طِيبِ لُقْيانا تَجافِينا
- بِنْتُمْ وَبِنّا فَما ابْتَلَّتْ جَوانِحُنا
شَوْقًا إلَيْكُمْ وَلا جَفَّتْ مَآقِينا
- تَكادُ حِينَ تُناجِيكُمْ ضَمائِرُنا
يَقْضِي عَلَيْنا الْأَسَى لَوْلا تَأَسِّينا
- يا سارِيَ الْبَرْقِ غادِ الْقَصْرَ فَاسْقِ بِهِ
مَنْ كانَ صِرْفَ الْهَوَى وَالْوُدَّ يَسْقِينا
- وَيا نَسِيمَ الصَّبا بَلِّغْ تَحِيَّتَنا
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire