lundi 15 juin 2026

«هندسة الوهم» *** 🖊 الشاعر طاهر عرابي

«هندسة الوهم»
طاهر عرابي
دريسدن – 09.03.2025 | نُقّحت في 15.06.2025

ننظرُ إلى الوردة،
فنراها كمالَ الشجرة،
مع أنّها ليست جذرًا،
ولا سرًّا من أسرار البقاء،
بل أثرُ ما نُكمله داخل النظر.

نسمعُ زقزقةَ العصافير،
فنظنّها نشيدًا لنا،
وهي لا تُغنّي لأحد،
بل تؤدي وجودها كما هو،
بعيدًا عن رغبتنا في المعنى.

نقفُ أمام البشر،
نرتّب وجوههم كما نحتاج أن نفهم العالم،
ونراهم خيرًا وشرًّا في صورةٍ واحدةٍ قابلةٍ للاطمئنان،
ولا نسأل:
كيف صُنعت هذه الرؤية،
ولأيّ غايةٍ تُقاد.

نحسبهم أصلَ الحكاية،
بينما الحكايةُ تتبدّل كلما تغيّر فينا النظر،
وهم امتدادُ صراعٍ قديم،
حيث وُضعت أولُ حجارةِ التنازع،
وسقط أولُ إنسانٍ
مدافعًا عن شيءٍ
لم يكن له،
ومات قبل أن يرى عدلًا،
تاركًا قبرًا
لا يذكره أحد.

نحن لا نُنتج إلا ما يُبقي الحياةَ على الحواف،
ولا نتحرّك إلا داخل خرائطِ وعينا المقيّد،
بين حريةٍ نخافها،
وسجنٍ نألفه،
وكأننا نعيد رسم حدودنا كي لا نضيع فيها.

حين نُصدّق أن الزهرةَ جذر،
وأن الأعمى دليل،
وأن الوهم ظلُّ يقينٍ يتعثر في نفسه،
ونمنحه نصف الوقت ليرضى،
وننتظره في النصف الآخر بشوقٍ للضوء،
نكون قد زرعنا الوهم بأيدينا،
ثم نسينا شكل الأرض التي زرعناه فيها.

وما رُسم بإتقانٍ من خداع،
يصير أساسًا في الوعي،
وتُبنى فوقه مدنٌ من يقينٍ هشّ،
تحرسها أسوارٌ من ظلال،
حتى إذا انهارت،
أصابها عطشُ المعنى،
وظنّت الندى غيمةً تهبط لإنقاذها.

كم من فكرةٍ انهارت
لأنها شُيّدت على فراغ،
وكم من وهمٍ نعيشه اليوم
كان مجرّد خوفٍ بالأمس،
تركوه لنا وغابوا
مثل زبدٍ لا يعرف كيف وُلد
في بحرٍ لا يشارك أحدًا ذاكرته.

جبناءُ الشكّ نحن،
نخشى التفكير النقدي،
بشجاعةِ دودةٍ في شرنقة،
نرثُ الهياكل القديمة،
ونرتجفُ من هدمها،
ونخشى جيلًا يبدأ من الصفر،
من دون خرائطَ لماضينا،
ولا مخططاتٍ جاهزةٍ للخيرِ والشر،
كأن الفراغ تهديدٌ لا احتمال.

نقول:
الخيرُ أخلاقٌ مخفية في النفوس
لا تزاحم الحياة،
والشرُّ هواءٌ تعفّن في فراغ الضمير،
لكننا لا نرى إلا ما يسمح لنا به تعريفنا.

هاتوا جيلًا يشكّك في المرايا
إن انحنت الوجوه،
لم يعد للمعنى غطاءٌ نمتدحه بسخاء،
دعوه يعيد البناء بذاته،
من غير أسوارٍ تُحاصر وعيه،
لنرى كيف يبدو العيش
حين لا تكون أوهامُنا
هي العالم.

كيف صُنعت هذه الرؤية بين جناحين
يبحثان عن سماء،
لطيرٍ وُلد في عشٍّ بلا نوافذ،
ولأيّ غايةٍ تُقاد الدهشة،
كينونةٌ تتفتحُ ثم تنطوي،
والغموضُ مرتعُ البصيرة،
حين لا نملك سوى ما نراه ولا نراه.

نحنُ جبناءُ الشكّ،
نرتّبُ ما لا يُرى
ونخشى أن نرى ما لا يُرتّب،
كأن النظام طمأنينةٌ ولو كان وهمًا.

لماذا الانهيار فوق سطحٍ مستوٍ.

وفي عقلٍ يمتنعُ عن التعبير
لا حدودَ إلا لليقين إن تراخت أطرافُه،
كأن اليقين نفسه يحتاج ارتجافه كي يبقى.

أفقُ الوهم سدٌّ من رمال،
لكننا نصعدُ الجبال،
لنرى أين يلمعُ صفاءُ السماء على وجه الأرض.
نسقطُ حين يخذلنا الحجر،
ونتعلقُ حين ينهض فينا الرجاء،
ونعودُ كثيرًا،
لا لأن الطريق ضيّق،
بل لأن الوهمَ الذي تركناه يعرف كيف يستدعينا.

نحن هندسة الوهم نفسها…
ولسنا مهندسيه.

دريسدن – طاهر عرابي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire