lundi 15 juin 2026

في سِيَرْ الأوفياء *** بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي

في سِيَرْ الأوفياء
بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي 

   بعد سفر مضن ، ورحلة متعبة ، وصلت إلى ديار جدتي الصفية ، وها أنا أرى ضوء منزلها الخافت ، تعبث به الرياح ، في كوة ضيقة من منزلها المتواضع . 
   مساك الله بالخير والعافية يا جدتي الصفية ، مساك الله بالصحة والسعادة يابني ، وبعد أن أخذت قسطا من الراحة ، أكرمت نزلي ، وقدمت لي القرى ، ثم قالت : معذرة يا بني ، ما الذي جاء بك في هذا الليل الساخن البهيم ؟ قلت : لم يعد ليلنا في الحاضرة بأفضل من ليلكم في البادية يا جدتي ، غير أنني اشتقت كثيرا لحكاياتك الرائعة ، وسردياتك الصادقة ، فهلا حكيت لي حكاية ، تخفف عني شيئا من ظلام الحاضرة السرمدي ، ونيران نهارها الزمهري ؟ قالت : هو ذاك يابني ، لكن لا تقاطعني ، قلت : السمع والطاعة يا جدتي . 
     ساعد القدر شيخا وقورا على النجاة من الموت ، بعد أن فتك الأخير بأخويه ، وأبناء عمومته الستة ، في مجزرة مروعة ، ذات يوم ، قامت بها عصابات همجية ، تربعت عرش البلدة في راهننا المعاصر . في هذه الأثناء لجأ ذلك الشيخ إلى أعالي سلسلة جبال بني مجيد ، موطن الأجداد ، ومعاهد الأهل والأحباب ، وعرين الوحوش والأبطال ، غير أن الأعداء تكالبت عليه ، من كل حدب وصوب ، إذ لم يعد لديه ماشية ولا معاش . من هم أولئك الأعداء ياجدتي ؟ على رسلك يا بني ، أول أولئك الأعداء الجوع ، أولم يقل المثل العربي : " الجوع كافر " يابني ؟ بلى يا جدتي . وثانيهما بعض العملاء ، ممن يقطنون شمال غرب سلسلة جبال بني مجيد ، وهل استطاعت العصابات الهمجية أن تستقطب عملاء من تلك المنطقة يا جدتي ؟ أجل يا بني ، بل كان منهم من يمتطي حماره إلى مركز تجمع تلك العصابات ، ثم يأتمر بأمرها ، ويتلقى دعمها . الأمر الذي وصل بهم إلى جمع أعداد كبيرة من المرتزقة ، والاستعانة بقبائل من جنوب شرق سلسلة جبال بني مجيد ، ثم كانوا  يقومون في تارات كثيرة بالعدوان على ذلك الشيخ العادل وأنصاره ، إلى مقر إقامتهم المؤقت ، واستحضار توجيهات إلزامية من الطرف الآخر بترحيلهم إلى موزع في تارات أخر . 
   ولما ضاقت الأرض بما رحبت بالشيخ ، استدعى أنصاره ، وتحدث إليهم قائلا : لقد تكالبت علينا الأعداء ، واستوطن مقامنا الجوع ، وليس لنا زرع ولا ضرع ، حتى الطيور والأرانب التي كنا نصطادها ؛ لنسد بها رمق أطفالنا ، قد نفدت أو أوشكت على النفاد ، فماذا ترون أيها المهجرون الصابرون ؟ وما الذي تأمرونني به ؟ 
   نلتقي في الحلقة القادمة أيها الأحبة .

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire