“المرايا ممنوعة”
قصة قصيرة
بقلم: طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت في 14.06.2026)
كنتُ صبيًّا طائشًا، أعاكس كل ما يُقال عنه “ممنوع”، وأتراجع خطوة عن كثير مما يُسمّى “مسموحًا”، كأنني أختبر حدود الأشياء لا أكثر.
لا أعرف كيف تولّدت لديّ فكرة أن هذه القرية الصغيرة، التي تبني بساتينها على منحدرات الجبال، قادرة على تعليمي شيئًا مستقيمًا بلا صعود أو نزول، بعيدًا عن تلك المدرّجات المكلفة بالوقت والجهد.
كانت أمي تريد أن تسمّيني “راهان”، لكنها عدلت حين قيل لها إن الاسم يدلّ على الصعود. استبدلته بـ“رافي”، واستقرّ الاسم دون تفسير.
كان عمري تسع سنوات حين قررت رسميًا أن أقتحم ما يُمنع في هذه القرية.
كان هدفي الأول كهفًا مجهولًا جدًا، كما كانوا يصفونه، حتى إن البعض قال إن من دخله لم يعد. وحتى المدرّج أمام بابه تُرك بلا زراعة، وقالوا إن الماعز تسرع الخطى كلما اقتربت منه.
حاول أحد المثقفين تفسير الأمر بأن رياحًا شديدة تخرج من فوهته فتدفع الماعز، لا أنه هروب. لكنهم ردّوا: حتى لو صحّ ذلك، فهذا يعني أن شيئًا ما يهيمن على الكهف.
غير أن السؤال ظلّ معلّقًا: كيف دخل الرجال ولم تمنعهم الرياح؟ ولماذا لم تقذفهم إلى السماء؟
ثم مات المثقف، وبقيت الرواية.
وأنا… قررت أن أدخل الكهف دون علم أحد.
لم آخذ معي شيئًا؛ لا طعامًا ولا شرابًا، حتى العصا لم أحملها، خشية أن يُفتضح أمري، خصوصًا أمي التي تراقب حتى حبات التفاح.
كانت ريح شديدة تصفّر خارجة من فوهة الباب، فقررت أن أنبطح وأزحف، حتى لا تمنح الريح ما تمسكه فتلتوي به رقبتي، أو تقذف بي كما تفعل بالماعز.
زحفت داخل الكهف نحو ساعتين، حتى وصلت إلى شرفة باردة تطل على قرية تشبه قريتنا… لكنها منبسطة جدًا.
كان الرجال ذوي شعور طويلة، وذقون تكاد تلامس الأرض، أما النساء فلم يكنّ أكثر حظًا في أناقة الوجوه أو سكونها.
في تلك اللحظة، اقترب مني صبيّ ترك أمه وجاء نحوي. كان أشعث الشعر، متسخ الوجه، وثيابه من قشور القنب.
قلت لنفسي: لا بد من الحديث معه.
ففعلت.
قلت:
“اسمي رافي، من قرية المدرجات والمصاطب. وأنت، ما اسمك؟”
قال:
“سمّني كما تشاء، فلا فائدة من أن أخبرك باسمي.
الذين يصلون إلى هنا لا يحملون أسماءهم طويلًا.
اخرج قبل أن يختارك المصير الذي اختار غيرك.
أما اسمي… فأخشى عليه في عالمكم."
فقلت:
“حسنًا، سأسميك راهان. كانت أمي تريد أن تسميني به، لكنها اختارت لي رافي.”
نظر إليّ باستغراب، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
كان مندهشًا من وجودي، ومن وجهي النظيف كما قال، بل الجميل أيضًا.
ثم قال:
“إن ملك القرية اكتشف قبحه في المرآة، فقرّر أن يمنع المرايا. وجاء يوم جُمعت فيه كل المرايا وطُحنت، فلم تبقَ مرآة واحدة في القرية.”
توقّف قليلًا، ثم أضاف:
“لهذا ترى الناس هكذا.”
ثم تابع، وكأن الفكرة تخرج منه رغمًا عنه:
“المفجع أن اختفاء المرايا لم يجلب الصدق كما ظنّوا… بل جلب الشك. فقد الجمال لغته، وفقد الناس ثقتهم بأنفسهم، لأنهم لم يعودوا يعرفون كيف يثبتون ملامحهم حتى لأنفسهم.”
صمت، ثم قال:
“لكن شيئًا آخر حدث…
اختفى النفاق. لم يعد مهمًا بشيء.
تصوّر أن تقول لشخص: أنت جميل، وهو نفسه لا يستطيع التأكد من ذلك دون مرآة.”
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، وأضاف:
“لا حاجة للنفاق حين لا توجد صورة تُقارن بها نفسك.
لكن… ربما المشكلة أن الصدق نفسه لم يعد واضحًا.
فمن دون مرآة، لم يعد أحد يعرف إن كان صادقًا أو كاذبًا… حتى صاروا يظنّون أن الصدق هو الكذب.”
نظرتُ إلى الصبي راهان قليلًا، ثم قلتُ بهدوء:
“اسمعني يا راهان الطيب… سأعود إلى البيت، وأجلب لك مرآة.
نخفيها هنا، في هذا الجحر المظلم، بعيدًا عن أي ضوء، حتى لا يكتشفها أحد إن أبرقت أو لمعت.
تأتي وتنظر إلى وجهك… وتستعيد حياتك، حتى لو كانت حياة تعرفها وحدك.
ما أصعب ألّا ترافق ملامحك.
متى رأيت وجهك آخر مرة يا راهان؟”
ضحك الصبي.
وقال: “وما فائدة مرآة لي وحدي؟ أنا لست المشكلة.
لم أرَ وجهي أبدًا.
والآن لا فائدة من ذلك.
اعتدت العيش بلا ملامح.
حتى لو رأيت الغبار والوحل على وجهي، سأزداد بؤسًا.
لأنني لن أستطيع تنظيفه، ولا حتى أن أكتشف إن كان موجودًا كما أراه… أو كما أظنه.”
ثم خفض صوته فجأة وأضاف بقلق:
“لا تفعل ذلك… إن اكتشف الملك الأمر ستكون العاقبة وخيمة على كل أهلي.”
ترددتُ قليلًا، ثم قلت مرتبكًا:
“إذا اختفت القيم… فما جدوى العقاب؟”
ضحك الصبي وقال:
“السلطة لا تفهم سوى العقاب.
أهم شيء عند السلطة أن يكون هناك عقاب.
لن تحكم أحدًا دون عقاب.
ولو لم تكن المرايا ذريعةً، لوجدوا غيرها.
سمعتُ حكاية عن ملكٍ دفن أخًا وترك أخاه للغربان، وحين عارضته أختهم هلك الجميع.
لهذا أخشى أن أحصل منك على مرآة… فنُقتل جميعًا.”
ثم اقترب أكثر، وأضاف بسرعة:
“هيا… اهرب من هنا قبل أن يكتشفك المصير.
قد يضعونك في سجن عميق، مع رجلين دخلا إليه سهوًا قبل عام، ومنذ ذلك الحين وهما هناك… حتى صرنا نخشى رؤيتهما.”
توقفتُ عند كلامه، ولم أعرف إن كنت أهرب من الكهف… أم أخرج إليه.
ثم شعرتُ بشيء غريب، كأن الحدود التي كنت أظنها بين الجبال والقرية والسجن… بدأت تتداخل بهدوء، دون أن تنكسر.
ولأول مرة، لم أعد متأكدًا إن كانت القيم قد اختفت…
أم أننا فقط فقدنا القدرة على رؤيتها.
ربما لم تُمنع المرايا…
بل نحن الذين لم نعد نحتمل النظر فيها.
دريسدن — 14.06.2026
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire