dimanche 17 mai 2026

تأر لم تبصره العين ✮✮✮ بقلم القصاد القاص صالح حباسي


ثأر لم تُبصره العين
........................ 
في السبعينيات، كنت طفلًا في العاشرة من عمري، وكان جيلنا يتعلّم الحياة على الطبيعة، دروسًا تطبيقية في الميدان، لا في الكتب.
كانت لدينا كلبة في بستاننا، حديثة الولادة، ترعى جروين لم تُفتح أعينهما بعد. كان والدي يعتني بها، فيسقيها من حليب البقرة، ويجلب لها العظام من عند الجزار لتقوى على الإرضاع.
في إحدى الصباحات، ذهبنا إلى البستان، فوجدناها مجروحة. كانت مربوطة عند باب البستان للحراسة، وقد تعرّضت لهجوم من كلبٍ يملكه جارنا، كلبٍ معروفٍ بعدوانيته، اعتاد أن يهاجم كلاب المنطقة ويسلبها طعامها. ومن شدة العراك، التفّت السلسلة حول جذع الشجرة حتى كادت تخنقها، فتمكن منها ذلك الكلب.
أشفقت عليها، وطلبت من والدي أن ندخلها إلى بيت البستان حتى تشفى، لكنه رفض قائلاً:
«وكيف نترك البوابة دون حراسة؟»
واكتفى بأن ضاعف لها الطعام لتستعيد قوتها، غير مدرك أن وفرة الطعام هي ما جلبت إليها ذلك الكلب أصلًا.
أبلغ والدي الجار بما حدث، وطلب منه أن يربط كلبه، لكنه أنكر، رغم أن كلبه كان سيّئ السمعة، وقد رأيناه مرارًا يعتدي على كلاب المنطقة.
في صباح اليوم التالي، ركبت دراجتي متجهًا إلى البستان، وهناك كانت الصدمة.
وجدت كلبتنا ميتة.
لقد عاد ذلك الكلب وأكمل ما بدأه.
وكان المشهد أقسى مما تحتمله عين طفل: جروان صغيران يرضعان من أمٍّ فارقت الحياة.
تأثرت كثيرًا. وضعت الجروين في صندوق دراجتي، وعدت إلى البيت مثقلًا بالحزن، محمّلًا والدي جزءًا من اللوم لأنه رفض إدخالها إلى البيت.
تعلقت العائلة بالجروين، واعتنينا بهما. أسميت أحدهما "واسلي" والآخر "بيل"، نسبة إلى شخصيتين في مسلسل أمريكي بعنوان "الغني والفقير"، يحكي قصة أخوين يتيمين، افترق بهما المصير؛ أحدهما نشأ في الفقر، والآخر تبنته عائلة غنية.
ومع مرور الوقت، بدا وكأن لكل واحد من الجروين طبع الشخصية التي حمل اسمها؛
فكان "واسلي" شرسًا، ميّالًا للقتال، يشبه شخصية الفقير في المسلسل.
كبر الجروان، وحين بلغا ستة أشهر، أعدتهما إلى البستان. أصبحا كلبين قويين، ذاع صيتهما في المنطقة بشراستهما وحسن حراستهما. لم يكن أحد يجرؤ على دخول البستان في غيابنا، حتى العمال أنفسهم، إذا غادروا، لا يجرؤون على العودة.
وذات يوم، انقطعت الساقية التي كان والدي يسقي منها البقرة، فأخذ دلوين وتوجه إلى حوض بجوار بستان جارنا ليجلب الماء. تبعه "واسلي"، فأرجعه والدي، لكنه عاد يتبعه خلسة. حاول والدي إرجاعه مرة أخرى، حتى رماه بحجر ليعود، لكنه أصر على التتبع.
عندما وصل والدي إلى الحوض وانحنى ليملأ الدلو، هجم عليه فجأة كلب الجار...
نفس الكلب.
في لحظة خاطفة، اندفع "واسلي" كالسهم، وانقض عليه. اشتبك الكلبان في عراك عنيف، حتى تمكن والدي من فضّهما بصعوبة. لكن "واسلي" لم يهدأ، ظل يحاول الانقضاض وكأنه تعرّف على خصمه.
أعاده والدي إلى البستان وربطه، حتى لا يعود. وفي المساء، حين غادر، أطلق سراحه.
في صباح اليوم التالي، وجدنا "واسلي" مستلقيًا عند مدخل البستان، مغطى بالدماء. ظننا أنه جُرح، لكننا لم نجد في جسده أثر إصابة. غسلنا عنه الدم، وكان يبدو مرهقًا جدًا، كأنه خاض معركة طويلة.
لم نفهم ما حدث…
حتى جاء جارنا.
قال:
«وجدت كلبي ميتًا… مقسومًا إلى شطرين. أظن أن ضبعًا فعلها، فاحذروا على كلابكم.»
حينها فقط… فهمنا.
لم يكن ذلك دم "واسلي".
كان دم الانتقام.
ذلك الجرو الذي لم تُفتح عيناه يوم قُتلت أمه…
عرف قاتلها،
وانتقم.
الظلم لا يُنسى، والحقّ قد يتأخر… لكنه لا يضيع.

ثَــأرٌ تَـخَـفّى فــي الـضـلوعِ ومــا يُــرى
حـتـى تَـفـجّرَ فــي الـدُّجـى نــارًا تُـثـارْ

كُـــنّـــا صـــغـــارًا والــحــيــاةُ بــريــئـةٌ
نَـجني الـدروسَ مـن الـحقولِ بلا جِدارْ

وأمُّ جِــرويــــنِ الحنــونُ بــســــاحــــةٍ
تَـحـمـي الـصـغـارَ وقـلـبُها طِـفـلٌ يُــدارْ

جــــاءَ الــعـدوُّ وســـوطُ غـــدرٍ مُـظـلـمٌ
والـقـيـدُ خــانَ الـحُـرَّ إذ ضــاقَ الـمَـدارْ

نـزفَـتْ، وصـاحـتْ، لا مُـغـيثَ لـصـرخةٍ
حـتـى سَـكَـتَ الـصـوتُ وانـطـفأ الـنهارْ

جِـــروانِ عــنـــدَ الصدرِ يـــلتــمـســانِ 
ما كانــا بهِ يَحْيَيانِ… فالمــوتُ استدارْ

كــبـرَ الـيـتـيمُ وفـــي الـعـروقِ حـكـايةٌ
دَيــنٌ قـديـمٌ، فــي الـضـميرِ لـه اعـتبارْ

واشــتـدَّ بـــأسٌ فـــي “واسـلـي” كـأنّـهُ
ريـــــحٌ إذا هـــبّــت تُـــزلــزلُ كــــلَّ دارْ

حـــتــى إذا لاقــــى الــعــدوَّ بِــسـاحـةٍ
وثـبَ انـقضاضَ الـصاعقاتِ بـلا انتظارْ

دارَ الـــنــزالُ، وكـــــلُّ عِــــرقٍ شــاهــدٌ
أنَّ الـحـسـابَ الــيـومَ لا يُــرجـى فــرارْ

مضتِ الليـــــالي… ثم عــــادَ مُرهَـــــقًا
عنــــدَ المدخلِ، لا احتضارٌ… بل وِقــارْ

غًًُسِـــلَ الجسدُ… والســـرُّ ظلَّ معــلَّقًــا
حتى أتى الجارُ المثــــقـــلُ بالأخبّــــارْ

قـــالَ: انـتـهى كـلـبي… تـمـزّقَ جـسـمُهُ
شطرينِ… لا يُبقي الضواري ذا استقرارْ

فـهـمَـتْ عـيـونُ الـصـمتِ ســرَّ حـكـايةٍ
دَمُ الــمـنـتـقِـمِ اعــتــلــى، لا يُــسـتـعـارْ

هــــذا هــــو الــحــقُّ الـــذي لا يـنـثـني
إن طـــالَ صــبـرُهُ… فـمـوعدُهُ انـتـصارْ

بـــــــقلم القصاد القاص صالح حباسي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire