lundi 25 mai 2026

الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي

الحجّ: نداءُ الرُّوح إلى أصلها، وسرُّ الطريق إلى الله
ليس الحجُّ رحلةَ انتقالٍ من بلدٍ إلى بلد، ولا طقسًا موسميًا يكتمل بأداء المناسك وحدها،بل هو استدعاءٌ قديمٌ للروح، وموعدٌ متجدّدٌ بين الإنسان وأصل معناه. 

حين يلبّي الحاج: «لبّيك اللهم لبّيك»، فكأنّه يجيب نداءً سكن في الفطرة منذ الأزل .

نداءَ العودة إلى الله بعد طول انشغال، والوقوف بين يديه بعد تيه العمر.

شُرع الحج ليكون مدرسةً إيمانيةً جامعة، يلتقي فيها معنى العبودية الخالصة بالتجرد من زخارف الدنيا. 

فالله تعالى لم يفرض الحج حاجةً إلى حركة الأجساد، بل لحاجة الأرواح إلى اليقظة. قال تعالى:

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)

فالحج ليس تكليفًا منفصلًا عن الحياة، بل تصحيحٌ لمسارها،إذ يجمع بين الذكر، والصبر، والمساواة، والتوبة، والانكسار بين يدي الله.

فتعود إلى قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، حين أمره الله أن يرفع قواعد البيت الحرام مع ابنه إسماعيل عليه السلام، ثم ناداه بالأذان الأعظم للبشرية:

وكأن الحج منذ بدايته وعدٌ إلهي بأن القلوب ستعرف طريقها إلى الله، مهما تباعدت الأزمنة والأمكنة.

فُرض الحج في الإسلام عند جمهور العلماء في السنة التاسعة للهجرة، بعد استقرار التشريع الإسلامي، بينما حجّ النبي صلى الله عليه وسلم حجته الوحيدة المعروفة في السنة العاشرة للهجرة، والتي سُمّيت حجة الوداع؛ لأنها كانت اكتمال الرسالة وتلخيصًا لمعاني الدين والإنسانية.

وفي تلك الحجة لم يعلّم الناس المناسك فقط، بل أعاد بناء الضمير الإنساني حين قال:

(إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)

فكأن الحج لم يُشرع لتطهير الفرد فحسب، بل لتقويم المجتمع والضمير معًا.

من أعظم أسرار الحج أن كثيرًا من أعماله تُؤدّى تعبّدًا قبل أن تُفهم حكمتها عقلًا.

لأن الإيمان يبلغ ذروته حين يسلّم القلب قبل أن يُحسن العقل التفسير.

الإحرام
حين يخلع الإنسان ثيابه المعتادة ويلبس لباسًا بسيطًا، فإنّه يخلع معه أوهام المكانة والطبقة والجاه. 
لا غنيّ ولا فقير، لا صاحب منصب ولا مجهول الجميع في هيئة واحدة، وكأنهم تذكيرٌ صامت بأن النهاية واحدة: كفنٌ أبيض ووقوفٌ بين يدي الله.

الطواف حول الكعبة
ليس دورانًا حول حجر، بل إعلانٌ أن لله وحده مركزية القلب. 
فالإنسان الذي دارت حياته حول المال أو الشهرة أو الجراح القديمة، يتعلم هنا أن يجعل محور حياته ربَّه.

السعي بين الصفا والمروة
هو تخليدٌ لقصة أمٍّ مؤمنة، هاجر، التي ركضت بين جبلين تبحث عن الماء لطفلها، فلم يخيب الله سعيها. وكأن الرسالة الخفية: اسعَ ولا تيأس؛ فإن الفرج قد ينبع من حيث لا تتوقع.

الوقوف بعرفة
هو ذروة الحج وروحه. يومٌ يقف فيه الإنسان مجردًا من أقنعته، كأنه تمرين مصغّر ليوم القيامة؛ لا جاه ينفع، ولا ادعاء يبقى، بل قلبٌ يرجو المغفرة. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الحج عرفة».

رمي الجمرات
ليس رميًا لحجارةٍ جامدة، بل إعلان مقاومة للشيطان الكامن في الداخل: شيطان الكِبر، والعادة السيئة، والكسل الروحي، والذنب المؤجَّل.

العشر من ذي الحجة: موسمُ بناء الروح

ليست الأيام العشر الأُوَل من ذي الحجة أيامًا عابرة في التقويم؛ بل هي من أعظم مواسم القرب من الله. أقسم الله بها في قوله:

((وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ))

وفيها تجتمع أمهات العبادات: الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، والحج.

سرّ بركتها أنها توقظ ما خمد في النفس. فهي فرصة لمن لم يحجّ أيضًا؛ ليحجّ بقلبه:

بالإكثار من الذكر والتكبير.
بالصيام، خاصة يوم عرفة لغير الحاج.
بالصدقة وصلة الرحم.
بالتوبة وردّ المظالم.
بإحياء القلب بعد طول فتور.

العشر ليست موسمَ أعمال فقط، بل موسم مراجعة: أيُّ إنسانٍ صرت؟ وأيُّ إنسانٍ أريد أن أكون؟

يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، ويُعد بداية الدخول الفعلي في أعمال الحج.

وسُمّي التروية كما يذكر أهل العلم لأن الحجاج قديمًا كانوا يتزوّدون فيه بالماء (يروون أنفسهم) استعدادًا لأيام منى وعرفة حيث تقلّ المياه. 

وقيل أيضًا لأن إبراهيم عليه السلام رأى فيه رؤيا الذبح، فأخذ يتروّى: أهو أمرٌ من الله أم رؤيا عابرة؟ حتى جاء اليقين.

لكن المعنى الإيماني الأعمق ليوم التروية كأنّه يقول لنا:
تزودوا قبل الرحلة الكبرى.
فالإنسان لا يدخل إلى عرفة فجأة؛ بل يهيئ قلبه أولًا. 

وكأن يوم التروية دعوة رمزية لكل إنسان:
بماذا تروي روحك قبل أن تقف بين يدي الله؟
هل نملؤها بالضجيج؟ أم بالذكر؟ بالخصومات؟ أم بالسلام؟

الحج الحقيقي لا ينتهي بالعودة من مكة،بل يبدأ بعدها.

فإن عاد الإنسان كما كان، ربما أتمّ المناسك ولم تُتمّه المناسك. 

أما إذا عاد أكثر رحمة، وأصدق لسانًا، وأخفَّ تعلّقًا بالدنيا، وأشدَّ مراقبة لله؛ فقد لمس سرّ الحج.

الحج يعلّم الإنسان ثلاث يقظات كبرى:

يقظة الفناء
حين يرى ملايين البشر بلباسٍ واحد، يدرك هشاشة الفوارق الدنيوية.

يقظة التوبة
إذ يشعر أن صفحةً جديدة ممكنة مهما أثقلت الذنوب.

يقظة الأولويات
فيكتشف أن ما استهلك قلبه سنين ربما لم يكن يستحق كل هذا الانشغال.

لعل أعظم ما يوقظه الحج فينا أننا لسنا خُلقنا للركض الأبدي خلف التفاصيل الصغيرة. يذكّرنا أننا عابرون، وأن القلب إن لم يجد قبلةً ثابتة تاه في ألف اتجاه.

الحج يقول للغافل:
استيقظ؛ فما زال الباب مفتوحًا.
ويقول للمثقل:
عد إلى الله كما أنت، فإن الطريق إليه لا يُغلق.
ويقول للمنشغل بالدنيا:
ليست العبرة بما جمعتَ، بل بما حملتَ إلى قلبك من نور.

وهكذا يبقى الحج أكثر من فريضة،إنّه رحلة استرداد الإنسان لنفسه، وموعد الروح مع المعنى، ونداء السماء كي لا يطول نوم القلب.

الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire