الانتظار: حين يقيس القلب الزمن بطريقته
ليس الانتظار مجرد وقتٍ يمرّ ببطء، بل هو حالة كاملة يعيشها الإنسان بين ما كان وما لم يحدث بعد، هو المسافة الخفية بين نبضتين، بين وعدٍ لم يكتمل وخطوةٍ لم تُؤخذ، في الانتظار، لا تكون الساعة هي من يتحكم بنا، بل نحن من نصنع للثواني ثقلًا أكبر مما تحتمل.
ننتظر كثيرًا، ننتظر رسالة، فرصة، شفاء، عودة، أو حتى وضوحًا يبدّد هذا الضباب الذي يسكن داخلنا، وفي كل مرة نظن أن الانتظار فعلٌ سلبي، لكنه في الحقيقة فعلٌ ممتلئ بالحياة؛ لأنك خلاله تُعيد ترتيب نفسك، تُراجع أفكارك، وتختبر صبرك بطرق لا تحدث في لحظات اليقين.
الانتظار ليس ضعفًا كما يُصوَّر أحيانًا، بل هو شكلٌ آخر من أشكال الإيمان، أن تنتظر يعني أنك ما زلت ترى شيئًا يستحق البقاء، ما زلت متمسكًا بخيطٍ رفيع من الأمل، حتى وإن كان غير مرئي، لكن الخطورة تكمن حين يتحوّل الانتظار إلى إقامة دائمة، حين نؤجل حياتنا كلها من أجل لحظة قد لا تأتي.
بعض الانتظارات تُعلّمنا النضج، وأخرى تُرهقنا حتى نكاد نفقد أنفسنا، هناك انتظار يُنبت فينا قوة هادئة، يجعلنا أكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على فهم العالم، وهناك انتظار آخر يسرق منّا الوقت دون أن يعطينا مقابلًا، يتركنا معلّقين بين خيارين: أن نبقى أو نرحل.
الجميل في الأمر أن الإنسان، في لحظةٍ ما، يدرك أن الانتظار لا يجب أن يكون سجنًا، يمكنه أن يكون مرحلة، لا وجهة، أن يكون طريقًا نعبره، لا بيتًا نسكنه، حينها فقط، يبدأ القلب في التخفف، ويصبح الزمن أقل قسوة، لأن الحقيقة البسيطة التي نتعلمها متأخرين هي أن الحياة لا تنتظر أحدًا، وأن أجمل ما يمكن أن نفعله أثناء الانتظار، هو ألا ننسى أن نعيش.
الأردن
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire