samedi 18 avril 2026

«صفـحة من دفـتر قـديم» ✍🏻 الأديبة فاطمة لغباري

الجـزء الختـامي من روايـة
«صفـحة من دفـتر قـديم»

✍🏻 فاطمة لغباري

«زمـن لا يلتفـت» 

لم يكن الزمـن يمـضي بقـدر مـا كان يتكدس في داخـلي، حتى غـدوت أسـاير الأيـام، ولا ألتفـت لمـا مـضى...

ومـنذ أن ولـج حمـدي حيـاتنا، لم يقتحمـها دفعـة واحـدة، بل يعـيد ترتيـبها على مهـل، ويسـدّ خـللها الخفـي. 
وكنت أتعـافى بصمـت.

أمـا عـدنـان، فلم يعـد اخـتلافـه يثيـر خـوفي كـما كان، بل غـدا عـالما قـائما بذاتـه، لـه منطقـه الخـفي وإيقـاعه الخـاص.

ومضت الأيـام وئـيدة...
إلى أن جـاء صبـاح بـدا مخـتلفا دون سـبب واضـح. 
كان البيـت ساكـنا على غـير عـادته، جـلس حمـدي بقـربي، يستشعـر حمـلي الـذي أتـمّ شـهره السـادس، ثـم دعـاني إلى نـادي الغـولف.
وافقـت دون تـردد.

ولمـا بلغـنا المكـان، امـتدت الخضرة على مـدّ البصـر، وخـفّ وطء الهـواء بعـيداً عن صخـب المـدينة.
جلسـت على مقعـد خشـبي، أرقُـبهما في صمـت.
كان حمـدي يفـتح لعـدنان منفـذاً صغـيرا نحـو العـالم، ويرشـده برفـق:

– "تمهّـل... ثبّـت قدمـيک... ولا تتعـجل."

لكن عـدنان ظل يمضـي على نهجـه.

وعلى حين غفـلة، ارتـدّ بـي الزمـن إلى مسـاء بعـيد؛
مـيدان الفـروسية، ضحـكة حسـن، ولحـظة وقـوعي عن صهـوة الفـرس... 
لكن الذكـرى مـا لبثـت أن تلاشـت, كأنـها لم تكن.
 
التفـت إليّ حمـدي، ولـوّح بيـده، كأنـه يسـألني إن كنت بخـير.
أومـأت لـه بابتسامـة واهـنة، وخفـق في داخـلي حِـراک وادع، ثم صرفـت بصـري إلى البعــيد.
ومـضى الوقـت على سكـونه، حتى جلـس إلى جـواري، ولبـث هنيـهةً ثـم قـال:

– "كان لـدي أمـر آثـرت تأجـيله حتى حـان أوانـه."

نظـرت إلـيه دون استعـجال.

– "وصلـني قـبول للعمـل في مستشـفى «كارولينسكا» قسـم طـب الأطفـال."

ثـم خفـض صوتـه قـليلا:
– " لـذا سنغـادر قـريبا إلى السـويد، ونخـلّف وراءنـا مـا مـضى."

ثبتـت ملامحـي، ولم أُبـدِ اعـتراضا.

أردف بهـدوء حـاسـم: 
– "قـد أنجـزت الأمـور كلـها... الأوراق والتـأشـيرات، ومـا يلـزم السفــر."
 
سألـته بدهشـة:
– "ومتى كان ذلـک؟"

رد بهـدوء:
– "مـنذ حـين، غـير أنـي كنت أترقـب الوقـت."

ثم أشـار إلى عـدنان:
– "هنـاک تُـدرک حـالته كمـا هي... وهـذا يكـفي."

وخـتم بنـبرة جـادة:
– "وهنـاک أيضا يستقـر أمـرک، حتى يكتمـل مـيلاد صغـيرتنا «يـارا»."

رفعـت بصـري إلـيه، ولم يكن في قـوله مـا يدعـو إلى الرد، بقـدر مـا يُفـضي إلى وجـهة أخـرى.

 فالحـيـاة وإن ضاقـت، لا تقـاس بالأمكـنة، بل بمـن يعـبرها معـنا.

-----------------------------

حين عـدنا، كان المسـاء ينساب وئيـدا.
وعـند البـوابة، لاحـت سيـارة سـوداء من نـوع «فـورد» رابضـةً غـير بعــيد.
لم يكن ثمـة ما يلفـت... غـير أن صـدري انقـبض فجـأة.

ترجـل رجـل طويـل القـامـة، يعـتمر قبعـة عـريضة الحـواف، ونظـارات داكـنة تحجـب نصف ملامحـه، وسـترة خفـيفة تضفـي عـليه مسحـةً من رجـال تكسـاس، كأنـه وافـد من مـدى بعـيد.
خـطا نحـو المدخـل، وأطـال النظـر إلى الداخـل، حيث كان كرسـي 'بـا العـربي' شاغـرا كمـا تُـرک منذ رحـيله، ثـم أطلـق ابتسامـة مقـتضبة، كأنـه يستعـيد المكـان.
أمعـنت النـظر إلـيه، فسكن كل شـيء في داخـلي..
حـاولت أن أشـيح بوجـهي، غـير أن صوتـه أدركـني:

– "فاطمـة... مـهلا."

التفـت حمـدي إليّ:
– "مـا الأمــر؟"

همست وعـيني عـليه: 
– "إنـه حـسن... والـد عـدنان." 

دنـا أكـثر، وملامحـه مثقـلة بالنـدم. 
توقـف نظـره عند بطـني، ثـم استقـر على عـدنان:

– "أهـذا... ابنـي؟"

تقـدم حمـدي خطـوة، وأجـابه بهـدوء قـاطع:
– "فـاتَتک اللحـظة."

تشـبث عـدنان بـه، وبـدأ يصدر تلـک الهمهمـة الخـافـتة التي ترافق قلقـه، غير آبـه بالوجـه الغـريب.

تراجـع حـسن إلى الخـلف، وقـد تلبّسـه غضـب مكـتوم: 
– "لا يبـدو أنـه يعـرفني..."

لكن حمـدي قـاطعـه بحـدة:
– "لأنـک لم تكن هنـا... حين كان يتعـلم أن يعـرف العـالم."

سـاد صمـت كثيـف.
التفـت إليّ حـسن للمـرة الأخـيرة: 

– "هل اكتمـلت حيـاتک من دونـي؟"

أخـذت نفـسا بطيـئا، وابتسمـت بمـرارة:
– "الحيـاة لا تكتمـل بأحـد... غـير أنـها تمـضي مع من يبقـى."

أخـذ حمـدي بيـدي، فانـزاح عـني كل ثقـل.

تنحّـى حـسن، وفـتح بـاب سـيارته، ثم اكتفـى بعـبارة واحـدة:

– "سأعـود... لعـلّي أدرک بعض مـا فـات." 

ثـم ركـب سيـارته ومـضى...

مـرّ رحـيله هـذه المـرة هـادئـا، ولم يهـتز في داخـلي شـيء.

ولمـا دلفـنا البيـت، وضع حمـدي أمـامي مشـروب اللويـزة، ثـم انصـرف.
وأخذت أقـلّب أوراقـا قديمـة، كأنني ألمـس حـياة أخـرى.

وظل الدفـتر القـديم مفتـوحا على صمـته...
غـير أن شـيئا في داخـلي انطفـأ، كأننـي واريتـه التـراب حـيّا... ومضيت.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire