قصة قصيرة: نهاية أبي زنفورة خنشور النَّمَّام
كبر الخنزير وشاخ وما عاد فَـتِـيًّـا كسابق عهده، ولا بمقدوره أن يواجه ويُجابه أقرانه وخُصومه، فلقد أصبح هرما وعاجزا، والساحة استحوذ وسيطر عليها الخنازير الشباب، ولم يعد يمتلك القوة اللازمة لينافسهم على البلبوزة، أحَبُّ نبتة إلى قلبه يعشقها ويهواها ويهيمُ فيها، ولأنه صار يجوع ولا قدرة له ولا طاقة عنده على منافسة ومزاحمة الخنازير الفتِيَّة القَوِيَّة، فإنه غيَّرَ وجهته من الأدغال والبراري والجبال والوديان، ورضي بأقل الضررين وأخفهما، وأصبح قمَّامًا يقتات على المُخلَّفات والنِّفَايات ويُزاحمُ عليها، أُسْوَةً بأخيه المُهَـرِّج سَـيِّـد المزابل والقُمامات، وفقد اهتمامه بالبلبوزة أشهى نبتة كان لأجلها يشن الغارات والحروب على المُنافسين والخصوم..
يكذب الخنزير على الكلب أنه رأى عُرسا عند آل بوبي من بني كلب، ويقول له: أنا أعرف يا أخي المهيوف أنك كلب أصيل، لا تصبر ولا تستغني أبدا عن عادة الكلاب، في تقصي ومعرفة أخبار الكلبات والانجذاب لهن، والحديث إليهن والأُنْسَ معهن، فأنت مُولَعٌ بهن منذ نعومة أظفارك، فحبك لهن من صميم أخلاقك الكلبية وعاداتك وطباعك، فهن بالنسبة إليك مثل الهواء والماء اللذان لا يستغني أيُّ كائن حَيٍّ عنهما، فطبع الكلاب فيك جارف وغالب، وسوف تحظى بلحظات مجنونة، وبليلة لا كألف ليلة وليلة، وبكلبة حسناء ذات جمال أخَّاذ فَتَّان، أجمل وأروع من حسان وفاتنات جزيرة الشيطان..
ويحث صديقه على الذهاب، فلعله يكون الكلب الأوفر حظا ليُختارَ عروسا عندهم بما أنه أقوى كلاب المنطقة، ولا شك أن العروس ستختاره من جملة من تختار، بل وربما يسطع نجمه وتختاره الكلب الفائز دونهم جميعا، فتهللت أسارير الكلب وفرح، وغلب على شعوره وأحاسيسه الطمع، وتحركت الغريزة الكلبية فيه، فالكلاب معروفون ومشهورون بمثل هذه العادات والتقاليد، فهي من خصائص طباعهم وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وسمح له بارتياد القمامة كمكافأة له على هذا الخبر السار، وأوصاه بأن يحرسها في غيبته ولا يسمح لأحد من غيره بارتيادها طيلة فترة غيابه حتى عودته..
الكلب مخاطبا الخنزير: أرى أنك لم تعد تقوى على منافسة زملائك وأصحابك عُشَّاق البلبوزة، فهل هرمت وما عُدت قادرا على ذلك يا أخي الخنشور؟
الخنزير: كل زمان وله أصحابه وأبطاله يا أخي يا كلب الزبالة، فدوام الحال من المحال، نحن جيل قد مضى وقته وانقضى عهده ودنا أجله، وأينعت ثماره وحان قطافها، ثم إنك أيضا كبرت وشبت يا أخي المهيوف.
الكلب: هذا الكلام لا ينطبق عليَّ بأيِّ حال من الأحوال ولا بأيِّ وجه من الوجوه، صحيح أنني كبرتُ في السن إلى حَدٍّ ما، إلا أنني مازلت أشعر بنفسي فتيا قويا، كأنني كلب زبالة في الخامسة من عمري.
الخنزير: أنت تشعر بالقوة والفتوة، لأنك لم تُكابد الظروف الصعبة في حياتك، ولم تُجاهد مشاق البحث عن الرزق وتحصيله مثلنا نحن أمة الخنازير، فأنتم يا كلاب الزبالة محظوظون..، تُرمى إليكم الفضلات أمامكم وأنتم رابضون في أماكنكم دون جهد أو كَدٍّ أو تعب، فهنيئا مريئا لك ولكل كلاب الزبالة برزق الفضلات الذي يُرمى إليكم، فنحن حقا نحسدكم على ذلك ووددنا لو كنا مثلكم..
يذهب الكلب ولم يجد شيئا مما ذُكر له ويعود خائبا، ويُخبرُ صاحبه: لقد ذهبتُ إليهم ولم أجد عُرسا ولا زواجا، واستقبلوني استقبال العدو لعدوهم اللدود وطاردوني، ولو أمسكوا بي لمزًّقُونِي وقَطَّعُونِي إربا إربا، وها أنت ذا ترى حالي..
فيرد الخنزير: رُبَّمَا كَلْبَتُهم لم يُعجبها أيُّ أحد منهم ولم ترض بأيٍّ منهم، فَرَفَضَتْهُم جميعا وعزفت عن الزواج لذلك وَجَدْتَهُم غاضبين، أو رُبَّمَا ظَنُّوكَ مُتَطَفِّلا على زبالتهم ومُنافسا لهم في الأمر، فأخفوا عنك العروس وألغوا كل مظاهر العُـرس وقابلوك بما قابلوك به، لا تحزن يا أخي فالكلبات في هذه الدنيا كثيرات وما هو آت آت، وستفرح وتكون سعيدا وتُقابلك السعادة والمسرات، فيرد الكلب: أتعتقد ذلك حقا يا أبا زنفورة؟ فيرد الخنزير: وهل اعتدتَ قول غير الحق من أخيك؟ اطمئن إلى قول أخيك الخنشور يا أخي يا سيد القمامة وستُسر ولن تجد إلا الخير، أعدك بذلك وسترى ذلك قريبا..
ودائما يأتيه بكذبة جديدة متجددة، من أن آل بوبي أو آل واشق من بني كلب يقيمون في هذه الأثناء عُرسا كلابيا رائعا، تحضره جميع كلاب المزابل من كل المناطق القريبة والبعيدة، وعندما يعود الكلب خائبا مثل كل مرة يَسُوقُ له الخنزير تفسيرا مُضَلّلا وتبريرا كاذبا، فانتابه الشك واستراب في أمره وشأنه، وقال في نفسه: لا بد أن هناك شيئا ما يُخفيه عني هذا الحَلّوف الرَّخيص، ويُريدني أن أغيب حتى لا أراه ولا أعرفه، ولأنه يُدرك أنني مَعْنِيٌّ بحضور حفلات الزواج الجماعي السَّامية للكلاب ولا أستطيع التخلف، فهو يعزف دائما على هذا العُود دون انقطاع أو تَوَقُّف..
ثم تفطن لكذبه وخزعبلاته، واكتشف الحقيقة بعد أن تناهى إلى علمه أنه يتسلل إلى قمامته في غفلته وفي غياب الأعين ويقتات منها خلسة، وهو إنما يفعل ذلك ليصرفه عنها، حتى يخلو له الجو ليسرح ويمرح على هواه، ثم جاءه مثل العادة بالخبر المُكَرَّرِ دائما والذي فقد بريقه ووهجه، فتظاهر بالفرح وأوهمه بالذهاب، ولم يسمح له هذه المرة بولوج قمامته في غيبته، بل نهاه من الاقتراب منها وحذره أشد التحذير، وقال له: لا تقربن زبالتي في غيبتي، فإن ذلك يُؤذيني ويحط من قدري وقيمتي، فهي شرفي وعِزِّي وسُؤدُدِي، ومن استباحها فقد استباح كرامتي واعتدى على شرفي، ولن أسمح له بذلك وسأنتقم منه، ووعده بأنه سوف يسمح له بالاقتراب منها وولوجها عندما يكون حظه جيدا، وتَمُرُّ الأمور بخير ويقضي أوقاتا سعيدة..
فوعده الخنزير بذلك وانصرف، وأما هو فقد عاد أدراجه وتسلل خلسة إلى زبالته، وكمن له في كومة مخلفات ونفايات كبيرة عند المدخل وربض فيها منتظرا ومتأهبا، وراح يقول في نفسه: إذا كان وَعْـدُ الحُرِّ دَيْنٌ عليه مثلما يُقالُ ويُشاعُ، فإن وعد الكلب لا شيء عليه، هذا النَّذْلُ الحقير يكذب عليّ دائما، ولولا ذلك فإنه ما كان له ولا لغيره الولوج إلى قمامتي، إن هذا اللعين لا يُؤتمن جانبه..، والحقيقة أن كل الخنازير لا يُؤتمن جانبها..
كمن سَيِّدُ القمامة في كومة من أكوام النفايات والمخلفات وراح يترصد أخاه الخنشور، وبعد أن هدأ الليل وطلع سُهيل، إذا بالخنشور يقتحم المكان وهو يمشي على رؤوس أصابعه حذرا، ويلتفت يُمنة ويُسرة خشية من وجود الكلب أو مجيئه، ثم راح يتقدم شيئا فشيئا إلى أن وقف عند رأس أخيه ولم يره وكان جائعا كثيرا، وما إن هَـمَّ بوضع رأسه والتهام شيء، إذا بأخيه المهرج يقبض على فمه وفنطيسته بأنيابه الحادة القوية والقاطعة، فارتاع الخنزير وتراجع إلى الوراء، ولم يستطع الفكاك والتملص إلا بشق الأنفس، ولم يفلت منه إلا بعد أن اصطلم له زنفورته وأدماه، فتراجع وأطلق سيقانه للريح وفَـرَّ لا يلوي على شيء، وأخوه في إثره عَضًّا ونَبْحًا حتى ابتعد ونجا بنفسه وأعجزه هربا..
وبقي الكلب لوحده وهو يقول في نفسه: وأنا الذي كنت أقول إن لي أخًا من الخنازير ليس مثل كل الخنازير..، ولكن الخنزير خنزير حتى ولو أعظَمتَهُ ورفعتَه إلى مقام ملك أو أمير، فَهُم ليسوا جديرين بالاحترام والتقدير، بل إنهم يستحقون الإقصاء والإهانة والطرد والتحقير..، أعود فأقول وأكرر، هذه القُمامة لي وحدي، ولا يحق لأيٍّ كان، كائنا من كان، أن يأكل منها شيئا، ولو كان صديقا أو أخا من الإخوان، فعندما يتعلق الأمر بمصدر الرزق والبقاء، فلا صديق ولا أخ ولا أهل ولا عشيرة ولا أبناء، الجميع حينها خصوم وأعداء، لقد ائتمنتك وصَدَّقتُكَ وقلتُ عنك أخي، وأنك لي ناصح وَفِيّ، ولا يأتيني منه إلا كل خير جَنِيّ، ولكنك لصٌّ مُحتالٌ دَعِيٌّ شَقِيٌّ دَنِيّ..، الآن انتهت اللعبة وتبيَّنَت خسارتك وتَحَقَّقَت يا أيها الخنشور، لقد انتهت مُدة صلاحيتك ولم تعد صديقي ولا أخي، أنت مطرود يا أبا زنفورة..
ثم تنهد وقال: إنني لا أدري كيف ستكون نهايتي، فمثلما وضعتُ نهايات لغيري فمن المؤكد سيأتي من يضع لي النهاية الخاصة بي، وتلك سُنَّةُ الحياة التي لا مفر منها ولا مهرب، أنا لا أحب أن أموت، ولكن لا خلود لمخلوق، ولكني آمل وأتمنى أن أموت وسط الزبالة، فوق كومة عظيمة منها وعَظمٌ كبيرٌ في فمي، وليس ألَذَّ على قلبي وأشهى من أن يكون عظم جمجمة خنزير..، وتلك كرامة وشرف في عالم الكلاب، يطمح إليها ويتمناها كل كلب زبالة، خاتمة تُغيظ الأعادي والحُسَّاد وتَفُتُّ في عضدهم، فأموت ميتة شهيرة تُروَى أبد الدهر، فمثلما أحب الشهرة والسُّمعة والظهور في حياتي، أحب أن تكون ميتتي شُهْرَةً وسُمعة وظهورا تُروى بعد مماتي، فمن عاش على شيء مات عليه وأحب أن أموت هكذا، حتى تكون غُصَّة في حُلُوقِ المُبغضين والحُسَّاد ما عاشوا بعدي، فلا عاشوا ولا هنئوا بحياتهم من بعدي..، سنرحل ويبقى الأثر، وأثري سَتُخَلِّدُهُ وترويه الكلبات ما بقي الليل والنهار وما بقيت الكلاب، ترويه كلبة عن كلبة، حتى أُوَسَّدَ مَيِّتًا بين أكوام الزبالة في التُّربة، مُكَلَّلا ومُطَرَّزًا بالوقار والهيبة، سيُذكر أثري في مغامراتي وعلاقاتي معهن، وغزواتي الليلية وغاراتي السرية عليهن..
لما فقد أبو زنفورة فنطيسته أصبح لا يستطيع أن يضع رأسه لشم الفضلات والتهامها، تأذَّى كثيرا جراء ذلك وهام على وجهه ذليلا طريدا مُهانا، ثم أراد تجديد علاقته مع القرد الذي كان يقول عنه سابقا خالي، عساه يجد عنده ما يتبلَّغُ به من طعام وطلـبًا للدَّعم والسَّنَد، بعـد أن طرده سيد القُمامة وحرمه من التقوت من الزبالة الكبيرة للبلدة وطارده، فرفضه القرد وأبى تجديد العلاقة والصَّداقة معه وطرده شَـرَّ طردة، وبصق في وجهه وعلى ما تبقى من زنفورته التي بُتِرَت وأصيبت بضرر بالغ، وعندما غادر الخنشور خائبا خالي الوفاض، ولم ينل شيئا ممَّا رجَّاه وأمَّلَهُ، قال القرد في سره: أنا في حياتي كلها لم أر خنزيرا حقيرا حثالة وأحمق، ونذلا خسيسا كهذا التافه النجس الذي كان أمامي قبل قليل، الحمد لله على الهدوء والسلامة، إن في فراق أصحاب السُّوء والمخازي نِعمة عظيمة، لا يعرفها ولا يُقَدِّرُهَا إلا من عاشها وذاقها..
ثم أردف قائلا في نفسه: فهل صدَّقت حقا أنني خالك وأنك ابن أختي، هل انقرض القرود أم قَلُّوا حتى أجعل منك ومن أمثالك أبناء أخوات لي؟! أنت خزير تهيم في البلبوزة، ومِثْلُك مِثْلُ صاحبك وأخيك المهرج سيد القمامة، كلاكما يأكل الجيف والفضلات، أما أنا فإنني آكل الموز والأوراق وأتسلق أغصان الأشجار، فشتان ما بيني وبينك كما شتان ما بين الثرى والثريا، أنا لستُ لك بخال ولا يشرفني أن أكون لك خالا، أنا خال القرود ولست خال خنزير مثلك، فمتى كان القرد خالا للخنزير؟ وأنَّى لكلب أن يتفق مع خنزير ويأنس بقربه؟ أنا في الواقع نادم أشد الندم على اليوم الذي عرفتك فيه ورضيت بأن أجعلك ابن أختي، إنني ألعن ذلك اليوم وأبرأ منه كلما تذكرتُ الماضي الكئيب، الذي جمعني فيه بحثالات الخلق وأحقرهم..
ظل أبو زنفورة جائعا يحوم حول القمامة لعله يجد غفلة من صاحبها، فيتسنى له الظفر منها بشيء يتبلغ به ويسد رمقه ولكن هيهات، فسيد القُمامة حاضر في كل الأوقات، وعازم كل العزم على التصدي لكل الغارات، وبكل حزم وحسم لكل متطفل لا يُراعي الحُرمات، ولو كلفه ذلك الكثير من الأضرار وأفدح الخسارات، وكلما رأى الخنزير يقترب هرَّ في وجهه وكشَّرَ عن أنيابه مُزمجرا ومُهددا ومتوعدا، فيخاف الخنزير ويتراجع ولا يجرؤ على الاقتراب أوالولوج، وظل على هذه الحال دون جديد أو الظفر بشيء وتحقيق نتيجة، إلى أن هلك وقضى على أبوابها جُوعا وقهرا ومرضًا وتشردا، وأمسى وجبة دسمة للهوام والديدان والعُقبان والغربان، وبعد أن تعفن وفاحت رائحته، أصبح غذاءً وفيرا لصاحبه أيضا، وخشية من مشاركة مفترسين آخرين محتملين فإنه سحب الجثة إلى الداخل، وجعلها بجواره لحمايتها وحراستها لا يفارقها لحظة واحدة فيأكل منها وحده دون سواه..
ظل سيد القامة متفكرا في ما آلت إليه الأمور وقال في نفسه: الحمد لله الذي أمكنني من هذا الخنشور اللئيم النَّمَّام الفَتَّان الكَذَّاب، فمثلما قضيتُ على الجحش بردوع النُّخَّال، لما غرَّرتُ به وأرسلته إلى حتفه دون أن يشعر أو يتفطن، ودفعتُ به إلى فكَّي الأسد فدقَّ عظامه وحطَّمَ أضلاعه وهَشَّمَ جمجمته وقضى عليه، ها أنا ذا أُلحقتُ به أخاه أبا زنفورة خنشور النَّمَّام التافه الضَّال، صاحب القلب الأسود السَّام، والذي لأجل نبتة البلبوزة ظل في البراري والوديان والجبال والصحاري وتاه وهام، وقريبا جدًّا سأثلث بهما التيس البدين المأفون ذو القرون، الأجرب العِنِّين، صاحب الصَّنَان والذَّفَر والريح النتن، المُلقب بضفدع الأوساخ والطين والعفن، فقد بلغني ونما إليَّ أنه هو أيضا يتسلل لقمامتي في غيبتي ويعتاش منها ويقتات، فوقسما لأجعلنك أنت الآخر تدفع حياتك ثمنا لجرأتك على سيد الزبالة يا أيها اللص القَمَّام المُحتال والمُخادع، فلا يغرنك هذا الهدوء الذي تراه مني، فإنه الهُدوء الذي يسبق العاصفة والإعصار..، نعم إنه الإعصار الذي سوف يقتلعك من جذورك ويجعلك حُطاما تُذَرِّيك الرياح، إنني أفكر جِـدِّيًّا في الإطاحة به والقضاء عليه، لقد قررت وانتهى الأمر، والقضية هي مسألة وقت لا غير، فكل واحد ودوره، والجميع له وقت وحين، فانتظر دورك يا ضفدع العفن، فقد دنا أجلك و اقترب وماهي إلا أيام، بل ربما لحظات وسُويعات قلائل معدودات، وتُصبح في خبر كان صديقي والآن أصبح عدوي، فقد دقت ساعة الحسم ودنت لحظة القصاص، فأصدقائي القُدامى لا بد أن أقضي عليهم جميعا..
هؤلاء أصدقائي الثلاثة الذين يتحدث الكل عنهم وأنا رابعهم ولا فخر، رابعهم شكلا ومضمونا ومعنى وحقيقة، ولئن يكونوا خمسة فإنني سادسهم، ومهما يبلغوا من عدد فإنني تتمتهم دون شك أو ريب..، سأجعل من حكاياتكم جميعا أسطورة مروية خالدة لا ولن تُنسى، ومضربا للأمثال في الحل والترحال، وفي كل زمان ومكان، ولن يُقال بعدها خيار شمشون الخطير كحل أخير، بعد أن استنفد كل الخيارات وفقد السند والظهير والنصير، ولكن سيقال خيار الكلب المهرج سيد القمامة الشهير، في الإيقاع والفتك ببردوع جحش الحمير، وبأبي زنفورة خنشور النجس الشرير، وبالتيس البدين المغرور الحقير ورقمهم الأخير، بعد أن سئم ومَلَّ من حُثالة الأصدقاء والرفاق، أصحاب الرياء والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق..
أنا لا أصدقاء لي ولا يشرفني وجود أيِّ صديق في حياتي، فالذي يعتدي على زبالتك ويسلبك رزقك ليس بصديق، بل هو كرب وبلاء وحريق وضيق، إن تحالفي معه سابقا كان ظرفيا ومُؤقَّتًا، أَمْلَتْهُ المصالح المشتركة والظروف الطارئة المُلِحَّة لقطع ألسنة المتحدثين عَـنَّا بالسُّوء، أَمَا وقد انتفت الأسباب وزالت الضرورة التي كانت تجمعنا وتُقَرِّبُنَا من بعضنا، وتوفرت كل الأسباب التي تجعلنا أعداءً كما كنا، وعاد كل شيء إلى نصابه ووضعه الطبيعي، فالكلب كلب والخنزير خنزير ولا قرابة بيننا تجمعنا، ولا منفعة لي في عودة العلاقات إلى سابق عهدها، فلا شرف ولا فخر في صُحبة خنزير قمَّام نَمَّام لا يأتيك منه إلا الشر والمشاكل والمُنَغِّصَات، فشتان ما بين مُلوك الزبالة وبين الخنازير المتطفلة الجوَّالة، فنحن أعداء بالفطرة والطبيعة..
الزبالة هي بيئتي وسكني وموطني، وغالبا ما تكون الأخلاق انعكاسا للبيئة التي يعيش فيها الكائن ويحيا، وأنا أخلاقي من بيئتي..، أقولها واضحة ودون مواربة، تصريحا لا تلميحا، أنا أخلاقي زبالة وأفتخر..، ورغم كل هذا السُّوء والخزي فَهُم ما زالوا في محاولاتهم البائسة واليائسة لا يتراجعون ولا يَكُفُّون، يُلاحقونني دائما ولا يتركونني وشأني، إنهم يغارون مني ويحسدونني على كل شيء حتى على الزبالة، كُن من تَكُن في الشر والسوء والدَّنَاءَة فلن يتركوك في حال سبيلك مُطمئنا، سيعتقدون أنك مُنَعَّمٌ وبخير وأفضل منهم حالا، وسيأتون إليك ليسلبوك ما يعتقدونه ويحسبونه حسنا وجيدا عندك، هذه طبيعة الحُثالات البالية التي لا تقنع بما عندها، ويرون أن النجاح والخير والفلاح فيما أوتي غيرهم، ويريدون الاستحواذ عليه بأيِّ طريقة ممكنة كانت..
عهدٌ عليَّ أن أنتقم من كل من يتجرأ على زبالتي وأقضي عليه دون رحمة أو شفقة، ولن أدعه يهنأ بالعيش ولو للحظة واحدة، فأنا منذ أن وُلدتُ وترعرعت ووعيتُ على هذه الدنيا، وبعد أن آل إليَّ إرث المزبلة ومسؤوليتها، وهم لا يَكُفُّون ولا يَمَلُّون من شن الغارات تلو الغارات في هجماتهم المستميتة على زبالتي، ولكنني دائما لهم بالمرصاد..
في بعض الأحيان..، بل في الأغلب ولست مُبَالِغًا ولا مُتجاوزا حدود العقل والمنطق، يكون من الأليق والأجدر والواجب الأكيد، أن تُكشِّر للأوغاد السّفلة عن أنيابك الحادَّة وأضراسك القاطعة بدلا من أسنانك، فذلك الذي يفهمونه ويردعهم، لقد أفنيت عمري كله في مُحاربتهم والتصدي لهم، وهرمتُ وبُحَّ صوتي وأنا أنبح صباحًا ومساءً، ليلا ونهارا وفي كل الأوقات، لإبعاد المتطفلين عن زبالتي ولكن هيهات هيهات، فلا حياة لمن تتوعدهم، ولا آذان مُصْغِيَةٌ لمن تنبح عليهم..
لما نفق أبو زنفورة الخنشور النمام، وحامت حول جيفته الغربان، ذهب التيس البدين إلى القرد الذي اشتهر بأنه خاله مواسيا ومعزيا، فثار القرد في وجهه سَبًّا وشَتْمًا وبَذَاءَةً، وانطلق وراءه يحصبه بالحجارة، ففر منه حتى نجا بجلده وابتعد عنه، وبقي القرد يستشيط غيظا وغضبا وهو يقول: كم من مرة يجب عليَّ أن أقول لهم إنني لست خال أبي زنفورة النَّمَّام الفَتَّان وليس ابن أختي، أعوذ بالله منه ومن سيرته العفنة، أنا بريء منه في الدنيا والآخرة، أنا قرد وهو خنزير..، ولسوف أرجم بالحجارة كل من يُعزيني فيه أو يُحدِّثُني عنه، فلتذهب روحه إلى الجحيم، لقد تخلصت الخلائق من شر دسائسه ونمائمه وفِتَنِهِ، ألا لعنة الله عليه لما كان حَيًّا يسعى، ولعنة الله عليه ميتا لما نَفَقَ وصار جيفة في الزبالة تنهشه الكلاب..
بقلم: عبد الكريم علمي
الجمهورية الجزائرية
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire