سلسلة «عـروش الزمـرد»
الملحمـة الثالـثة الخـتامـية
«وريـث العـرش»
الفـصل الأول: عـرش على جـذر مستيقـظ
مـا إن اعـتلى رامـيير العـرش، حتى ارتجّـت الأرض تحت قدمـيه، وتسـلّل ضوء أخـضر واهـن من بين حجـارة القلعـة، فغمـر السـاحـة بهـالة غـريبة لا تُـرى حـدودها بوضوح.
للحظـة خـاطفـة، ارتفعـت الرايـات على الأسـوار، وتعـالت الهـتافات من بين الحضـور، حتى غـدت صوتـا واحـدا يهـز القلعـة:
– "عـاش وارث الزمـرد."
غـير أن ذلک المجـد لم يبلـغ قلـبه؛ إذ خامـره إحساس بـارد، كأنـه لم يعـتلِ العـرش، بل أيقـظ مـا كان ساكـنا منذ قـرون.
لم تكن الملكـة «إليـنا» بعـيدة عن المشـهد.
وقفـت إلى جـواره ثـابتـة،
لا انكسار فيها، ولا أثـر لوهن الأسـر، غـير أن عـودتها لم تكن كامـلة.
كانت نظراتـها تجـوب وجـوه الحـاضرين دون أن تستقـر على أحـد، كأنـها تـرى مـا وراء العـرش.
ومع انفـضاض الجمـوع، وخمـود المشاعـل، عـاد السكون إلى القلعـة،
إلا أن رامـيير لم يغمـض لـه جفـن.
ظل واقـفا عند الشرفـة، يحـدّق في ظلام الغـابة الممـتدة خلـف الأسـوار.
وحين ثقـلت جفـناه، تراءت لـه الأرضَ تنفـلق تحت قدمـيه، وقـد غطتـها ظلمـة كثيفـة، ولا نـور يكشـف عمقـها، كأنـها تُمـهد لـه طريـقا لم يُسلک منذ قـرون.
قبل الفجـر، انتفـض قلـبه بخفـقٍ لم يعـهده، كأنمـا أفلـت من قبـضة شـيء خفـي... لكـنه أحسّـه.
-----------------------------
الفـصل الثـاني: ظـل الملكـة
لم تمـض ليـالٍ حتى بـدأ البـلاط يخـتل إيقـاعـه.
تـرددت الأقـاويل:
– الملكـة تظـهر في أروقـة لا يطـأها أحـد.
– والمشـاعل تخـبو حين تمّـر...
– وتقـف عـند بوابـات قـديمة لم تُفـتح مـنذ زمـن.
ومـع ذلک لم يبـدِ رامـيير مـا يُعـتمل داخـله، ولم يُقـصِها عن العـرش.
زاد غمـوض الملكـة، وصـار غـيابـها أطول...
وذات فجـر، أيقـظه همـس خـافت، والظـلام مـا يـزال قـائمـا.
قــاده الصوت إلى قـاعـة العـرش، حيث كانت الملكـة ساكـنة في الظـلام، تهمـس بلغـة مبهمـة كأنـها تتلـقى نـداء من عـالم الأرواح.
انحـبست خـطواته في موضعـها، وعجـز عن اقتحـام صمـت القـاعـة.
ومع بـزوغ الشمـس، عـاد كل شـيء لظـاهره.
استُـدعي «مجـلس السـنديان».
دخـلوا في صمـت مهـيب، تقـدم شيخـهم، حـدق طويـلا في الأرض، ثـم قـال:
– "حين يُلامـس التـاج جـبين وارث الزمـرد، وتستجـيب الجـذور... مـا دُفـن لا يعـود للحـيـاة، بل للمطـالبة."
سـادت القـاعـة رهـبة، ثـم رفـع رامـيير صوتـه أمـام المجـلس، قـائلا:
– "ستبـقى الملـكة حيث هي... ولـن يُحـكم هـذا العـرش بنصف روح، سنحكمـه معـا أو نسقـط معـا."
لم يعـترض أحـد.
ثـم خـاطب الجمـيع بحـزم:
– "هذه الأرض لم تُقَـم على القـوة، بل على التـوازن".
-----------------------------
الفـصل الثـالث: طيـف الرؤيـا
لم تـأت العلامـات دفعـة واحـدة، بل ظهـرت تبـاعا...
تهـتز الأرض كل ليلـة،
وتنبعـث منـها أصوات واهـنة، كأنـها صادرة من أغـوار سحيقـة.
وفي رؤيـاه، وجـد نفـسه واقـفا في غـابة كثيفـة، أشجـارها هائـلة وجـذورها مكشـوفة، كأن الأرض لفظـتها.
ظهـرت فجـوة مخـبوءة في العمـق، مغـطاة بطبقـة من الطحـالب.
تقـدم نحـوها.
وحين بلـغ حافـتها، سـاد صمـت مطـبق، كأن العـالم انقـطع عـند تلک اللحـظة.
نظـر إلى الأسفـل، لم يـرَ انعكاسـه في الميـاه.
ولمـا لامسـت أطـراف أصابعـه الفـراغ، اهـتز العـالم داخـله، وانبعـث صوت من البـاطن:
– "اخضـع للأعمـاق... فمـا تحت قدمـيک يحـيـا."
انتفـض فجـأة، وجلـس بلا حـركة وأنفـاسـه تتسارع.
أدرک أنـها لم تكن رؤيـا، بل دعـوة.
ومع الفجـر، أمـر بفـتح خـزائن القلعـة القـديمة التي احتضنت أسـرار الدهـور.
أُخـرِجت جلـود متآكـلة، نُقشـت عليها مخطوطات بـاهـتة، لكن سطورها بقـيت صامـدة كأن الزمـن عجـز عن محـوها.
فرشـها أمـامـه واحـدة تلـو الأخـرى.
قـارن، دقـق، تتبّـع المسارات المنسـية والحـدود التي اختفـت، حتى استقـرت يـده عـند عـلامة تتكرر في كل نسخـة:
"مـا بُنـي فوق مملكة الزمـرد، يُخـفي مـا تحـتها"
سـاد صمـت قصـير، ثـم عـاد إلـيه طيـف الرؤيـا.
– "أسلـم نفـسک للأعمـاق."
أطبـق كفّـه على الطـاولة، ولم يعـد يسـعى وراء التفـسيرات.
إذ ملامـح الطريـق بـدأت تتكشّف أمـامـه.
-----------------------------
الفـصل الرابـع: نحـيب الجـذور
لم يعـد أمـامـه سـوى تـرک أسـوار القلعـة خلفـه، والانطلاق نحـو غـابات 'إلـدوار'.
لم يستعـن بالجـيش، ولا بالمشاعـل، بل سلّـم نفسـه للطريـق ومـضى وحـيدا.
وكلمـا توغّـل في الغـابة، تعـاظمت الأشجـار حتى أضحـت ظلالـها تحجـب السمــاء فوقـه.
بـرز أمـامـه قـوم من الأقـزام «قـارئو النسـغ» عـائدون من عصـور خـلت.
وجـوههم مهـيبة، وأعـينهم تتوهـج ببريـق أخضـر نـافـذ.
لم يطلبـوا اسمـه، ولم يسـأل أحـد عن غـايته.
اكتفـوا بنظـرات صامـتة، ثـم تقـدم شيخـهم خـطوة، وقـال:
– "البئـر لا يُهـتدى إلـيه بالسـير، بل لمـن صاغ قلـبه لنحـيب الجـذر الأول."
لم يجـادلهم رامـيير.
أسـرّ بصيـرته بين الجـذور العمـلاقة عـبر مسـارات مخفـية، حتى أعـيـته المسافـة، فجلس عـند جـذع سنديـانة عظيمـة.
صمـت الغـابة أحـاط بـه، وحـركة الهـواء تكـاد لا تُسمـع.
فجـأة، هـبّت نسمـة بـاردة، وحـملت همـسا عمـيقا:
– "اتبـع صدى الجـذور السحـيقة".
انبثـق شيخ بعبـاءة بيضـاء عـند حـافـة بئـر مخـبوءة تحت جـذور سـنديـانة مغطـاة بقـبة خضـراء.
كان طويـلا، ذا لحـية بيضـاء مـديدة، وكأن طينتـه ليست من البشـر.
انعقـدت حـركة رامـيير فجـأة، ثـم قـال بصوت مـتردد:
– "من تكون أيـها الشـيخ؟"
ابتسـم وعـينـاه تشعـان بلمعـان زمـردي ساطع.
خـطا نحـوه، وأجـابه:
– "أنـا من يحـرس سـر الجـذور..."
وبصوت رخـيم، كشـف لـه حكـاية الجـذر الأول:
"قـبل أن تُعـلن فـالورين عـاصمـة، لم تكن هنـاک ممـالك.
كانت الأرض فَـلاةً لا حـيـاة فـيها.
ثـم انشـق الصمـت.
هـوى حجـر زمـردي حـيّ من السمــاء، لا يشـبه غـيره من الأحجـار؛ لم يدمّـر الأرض، بل أيقـظها.
ومن موضعـه، انبثـق الجـذر الأول، ثـم تبعـته الشجـرة، ثـم كل مـا تعـرفه الآن."
نظـر الشيخ إلى الأرض، وأردف:
"أول من سمـع النـداء... لم يكن ملـكا، كان رحـالا اسمـه أورامـير.
وحين لمـس الشجـرة، انبثـق نـور أخـضر."
وقـبل أن يهـمّ رامـيير بالرحـيل، أوقـفه الشيخ وقـدم لـه خـاتم الحكمـة، ثـم قـال:
– "ضعـه في بنصرک الأيمـن، سيحمـيک ويقـودک إلى حيث تنبض الجـذور."
ومـا إن فـرغ من كلمـاته، حتى تلاشـى في رمشـة عـين.
ابتسـم قـارئو النسـغ وهـم يتسللون بين الأشجـار.
وقـف رامـيير مشـدوها، لكن دهشـتة لم تـدم طويـلا؛ إذ شعـر بثقـل الخـاتم يستقـر في أصبعـه، كأنـه لم يـمـنح لـه، بل عـاد إلـيه.
رفـع نظـره نحـو البئـر، وأدرک أن الطريـق لم يعـد خـيـارا، بل مصـير بـدأ يتجـلى أمـامـه.
-----------------------------
الفـصل الخـامس: شظـايا
العهـد القـديم
لم يـدم السكون الـذي أعقـب اكتشـاف الأعمـاق طويـلا.
انعقـد «مجلـس السنديـان» مجـددا داخـل قـاعـة العـرش.
لكن هذه المـرة لم يُسـتدعَ للتحـذير، بل للشهـادة.
تقـدم رامـيير خـطوة دون أن يحمـل مخطـوطة، وقـال دون تمهـيد:
– رأيـت مـا تحـتنـا.
سـاد صمـت عمـيق، ثم أجـاب كبيـرهم:
– "إذن لم يعـد في الأمــر شـک."
ثم كشف عن الحضارات القـديمة:
– لم تكن الأرض للبشـر وحـدهم...
كان هنـاک من نحـت العمـق. «الدراغـمـا»... القـوم الحجـريون، لم يشـيّدوا مـدنـا، بل ثبّتـوا العـالم من تحـته.
وكان هنـاک من لم يطـأ الأرض أصلا.
«السـيرانيون»... سـادة الريـح، حرسـوا الأرض من أعـلاها.
وآخـرون لم يتـركوا أثـرا يُـرى.
«المـيرال»... أبنـاء المــاء، حفـظة الذاكـرة، لم يكـتبوا التـاريخ، بل حمـلوه.
ثم خفـض صوتـه، ورفـع نظـره إلى رامـيير قبل أن ينطق الاسـم الأخـير.
«الـوارَدِن»... أول من أدرک أن الحـياة تقـوم على التـوازن.
تقـدم رامـيير خـطوة:
– وأيـن هـم الآن؟
أجـاب الشـيخ دون تـردد:
– "انسحـبوا حين اخـتار البشـر الهيمـنة."
وقـف رامـيير، وعـيناه تتقـدان بالقـرار، وصـرّح:
– إن كـانوا قـد انسحـبوا، فسأعـيدهم، وإن تفـرق العـهد، فسأجمعـه.
ثم أعلـن:
– "لن تقـوم هذه المملكـة بعـد اليـوم على السلطـة وحـدها، بل على مـيزان يُنصف، ويُقـيم العـدل ويحفـظ مـا اخـتل عـبر العصـور."
سـاد صمـت مهـيب، ولم يجـرؤ أحـد على معـارضته.
-----------------------------
الفـصل السـادس: ذروة الانكشـاف
قـادته المخطوطات القـديمة إلى موضـع سـري، لم يكن بـابـا بالمعـنى المعـروف، بل شـقّ في الحجـر يقـود إلى عـالم لم تطـأه قـدم بشـر مـنذ فجـر المملـكة.
مـدينة سفـلى، محفـوظة في جـوف الصخـر، والهـواء فـيها سـاكن.
شوارعها خـالية،
أبراجـها قـائمـة،
أشجـار تنمـو خـارج قـانون الحـياة،
قصور لم يمسسها خـراب،
وعـروش مصطفـة عليـها ملـوک بأجسـاد جـامـدة، كأن الزمـن توقـف عـندهم.
في قلـب ذلک العـالم، كان زمـرد خـامد، حـوله كـنوز مغـطاة بالغـبار، لم يجـرؤ أحـد على لمسـها مـنذ قـرون.
تقـدم رامـيير بخـطوات متـأنية، وأمـر رجـاله بصوت صـارم:
– "اقـرأوا التـاريخ بعـينكم، ولا تقـربوا شـيئا...
أي لمسـة خـاطئة قـد توقـظ مـا لا نستطيع السيطرة علـيه."
أدرک رامـيير أن إرث الأرض لا يكمـن في السطح وحـده، بل يمـتد في أعمـاقـها.
كان أمـامـه خـيار واحـد:
إغـلاق المـدينة، أو استخـدامها والمخـاطرة بإيقـاظ قـوى لم تُعـرف مـنذ فجـر المملكـة.
لكنه اخـتار طريـقا آخـر.
لن تُطمـس ولن تُبعـث، لكن ستبقـى تحت حكمـه.
أمـر رجـاله بنصب حامـيات حـولها، ليظل سـرّها محمـيا عن أعـين الطامعـين.
وقبل أن يغـادر، التفـت مـرة أخـيرة، وأدرک أن من يحـكم السطـح، يجـهل نصف مملكـته.
فأبقـى المـدينة سـرّا لا يعـرفه إلا نفـرّ قلـيل من رجـاله.
-----------------------------
الفـصل السابـع الخـتامي: مـا استيقـظ تحت العـرش
في ليلـة حـالكة، عـاد رامـيير وحـده إلى أعمـق نقـطة، حيث ينبض أصـل الزمـرد.
وضع كفّـه عـليه، فانبثـق وهـج خـافت.
ارتعشـت العـروش، واهـتز كل شـيء، وسكـن الزمـن لوهلـة.
تحـركت جفـون أحـد الملـوك الراقـدين، ثـم انفـرجـت عـيناه ببـطء.
ارتسمـت على وجـه رامـيير ابتسامـة صامـتة، وامـتدت أمـامـه هـالة الحقـائق التي لم يجـرؤ أحـد على إدراكـها.
لم تُهـزم القـوى التي حـركت الممـالك، بل انحسـرت في الأعمـاق.
ومـنذ ذلک الحـين، لم تعـد المملـكة كمـا كانت:
عـالم يطفـو على السـطح، وآخـر يخـتزن نبضـه في الخفــاء.
عـندها أدرک أنـه ليس حـامـيا للعـرش فحسب، بل وريـث الزمـرد... من نسـل أورامـير الأول.
وأن السلـطة لا تكتمـل إلا بفـهم إرث الأرض، حيث تمـتد الجـذور وتستيقظ القـوى الغـابرة.
وحيث لا يُقـام الحكـم إلا إذا استقـام مـيزانه...
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire