لستُ كما كنتُ يومًا، فقد عبرتُ دروبًا لم تكن لينة و لامستُ من الوجوهِ ما يكفي ليُعيد تشكيل نظرتي إلى الكثير. علّمتني التجاربُ أن أحتاطَ لنبضي و أن أزنَ الصمتَ قبل أن أنطق و أن أختارَ الرحيلَ حين يفقدُ البقاءُ جدواه. لم تأتِ دروسي هينة و لم تُمنح لي بالمجان بل اقتطعتُها من وجعي و صبري و أعوامي. و بين غدرٍ و قهرٍ و نكران، وُلدتُ من جديد. فصرت أكثر هدوءً و أعمقُ إدراكًا و أصدقُ مع نفسي. و هذا بعضُ ما نطقت به روحي بعد كلّ ما مضى.
« سيرةُ انكسارٍ لا ينحني »
شاهدتُ الغدرَ فازددتُ حذرًا في دروبِ مسيري
و رأيتُ القهرَ فآثرتُ صمتًا يليقُ بصدري
و من نكرانِهم حين ضاقَ الفضاءُ برُوحي
اخترتُ الرحيلَ حفاظًا على بعضِ قدري
فما عادَ قلبي يُجاملُ وجهًا بلا صدقٍ
و لا عادَ يُصغي لزيفِ الكلامِ المُمرِّ
تعلّمتُ أنَّ القلوبَ إذا ما تبدّلتْ
تُخفي النوايا وراءَ ابتسامٍ مُغرِّ
و أنَّ الوعودَ التي لا يُساندها فعلٌ
تذوبُ كثلجٍ على كفِّ وهمٍ مُضرِّ
رأيتُ الودادَ يُباعُ بثمنٍ من الوهمِ
فأغلقتُ بابي على الصدقِ دونَ تردّي
تعلمتُ أنَّ الهدوءَ الذي في ملامحي
هو الصبرُ لا ضعفُ نفسٍ و لا خفّةُ يدِ
و أنَّ السكوتَ إذا ضجَّ حولي زحامٌ
يكونُ جوابًا حكيمًا يقي من تردّي
و من كلِّ وجعٍ مررتُ بهِ في طريقي
بنيتُ لنفسي ثباتًا يصدُّ التعدّي
أنا ابنُ الليالي التي صاغتِ الحلمَ نارًا
فأصبحتُ أمشي على الجمرِ دونَ تردّدِ
سألتُ الحياةَ لِمَ القسوةُ في وجهي
فقالتْ: لتبني لنفسِك سورًا من الحدِّ
تعلّمتُ أنَّ الرحيلَ نجاةٌ إذا ما
تحوّل قربُ الرفاقِ إلى حملِ قيدِ
و أنَّ البقاءَ على بعضِهم خيبةٌ
كزرعٍ بأرضٍ يُكافئُ غرسَك بالجَحْدِ
رأيتُ المواقفَ تكشفُ خافي الوجوهِ
فما عادَ يخدعني مظهرٌ غيرُ جِدِّ
فصرتُ أُصافحُ نفسي و أمضي واثقًا
و أتركُ غيري رهينَ التلوّنِ و الرّدِّ
أربّي كرامتي في دمي كلَّ لحظةٍ
و أحفظُها من رياحِ الأسى و التبدّدِ
و ما عدتُ أرجو من الناسِ وعدًا فإنّ
أغلبَ ما يُهدى سرابٌ بلا حدِّ
تعلّمتُ أنَّ النقاءَ قليلٌ بذا الزمنِ
و أنَّ الوفاءَ كظلٍّ يمرُّ و لا يهتدي
و أنَّ الحقيقةَ رغمَ الأسى في ملامحها
هي النورُ إن ضاعَ دربُ الهدى في يدي
أنا من دفعتُ ثمنَ الدروسِ التي
توالتْ عليَّ فصرتُ أقوى من جلدي
فما نلتُ شيئًا كما ظنَّ بعضُ الورى
بلا ثمنٍ، كلُّ شيءٍ أتى بعد جهدي
و هكذا أمضي و في داخلي يقينٌ
بأنّي تعلّمتُ و ما كان شيءٌ بلا ثمن
كلُّ حرفٍ دفعْتُ لهُ ألفَ انكسارْ
أنا من دفعتُ ثمنَ التجاربِ عمرًا
فكيفَ أبيعُ الدروسَ و أرضى الخسوفْ؟
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire