مجلس السلام لغزة: بين منطق الإعمار والاستفراد بالقرار ...!
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الدولي، برزت مبادرة ما يُسمّى بـ«مجلس السلام لغزة» باعتبارها إطارًا مقترحًا لمعالجة الوضع في القطاع بعد الحرب.
غير أن أي مقاربة جادة لمستقبل غزة لا يمكن أن تنفصل عن سؤال جوهري: هل يمكن بناء استقرار دائم دون إشراك الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني؟ وهل يتحول الإعمار إلى مدخل للاستفراد بالقرار السياسي الفلسطيني؟
تشكل منظمة التحرير الفلسطينية الإطار السياسي المعترف به عربيًا ودوليًا كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، فيما تضطلع السلطة الوطنية الفلسطينية بالمسؤوليات التنفيذية المنبثقة عن اتفاقات قائمة. كما أن دولة فلسطين تحظى باعتراف أكثر من 160 دولة عضو في الأمم المتحدة.
وعليه، فإن أي مبادرة لا تنطلق من هذا الأساس القانوني والسياسي تثير إشكاليات تتصل بالشرعية والتمثيل، وقد تُفهم بوصفها تجاوزًا للإطار الوطني الجامع.
من حيث الشكل الإجرائي، قد يبدو إنشاء مجلس دولي لإدارة مرحلة انتقالية في غزة خطوة تنظيمية تهدف إلى حشد الموارد وتنسيق جهود الإعمار.
إلا أن معيار النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاركين أو حجم التعهدات المالية، بل بمدى اتساق المبادرة مع قواعد القانون الدولي ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
التقارير المتداولة حول تركيبة المجلس وصلاحيات رئاسته — إذا صحت — تشير إلى مركزية واضحة في القرار وارتباط مباشر بالإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب.
ومثل هذه البنية، إن لم تُضبط بإطار حوكمة جماعي متعدد الأطراف، قد تُفهم باعتبارها آلية سياسية ذات طابع أحادي، لا هيئة دولية متوازنة، وهو ما يعمّق المخاوف من الاستفراد بالقرار المتصل بمستقبل قطاع غزة.
إن إعادة إعمار غزة ضرورة إنسانية عاجلة لا تقبل التأجيل.
غير أن تحويل الإعمار إلى مدخل لإعادة تشكيل البنية السياسية أو الأمنية للقطاع دون توافق وطني فلسطيني شامل، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالتجارب المقارنة في مناطق نزاع متعددة تؤكد أن الإعمار المنفصل عن الحل السياسي يتحول إلى إدارة مؤقتة للأزمة، لا إلى معالجة جذرية لها.
وتبرز هنا مسألة وحدة الأرض الفلسطينية، أي صيغة إدارية لغزة يجب أن تكون جزءًا من رؤية أشمل تضمن وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية في إطار الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967.
إن تكريس ترتيبات منفصلة أو طويلة الأمد لقطاع غزة خارج هذا السياق، قد يُفسَّر باعتباره تثبيتًا للانقسام بدل تجاوزه.
كما أن المخاوف المرتبطة بأطروحات “الهجرة الطوعية” التي صدرت عن بعض المسؤولين الإسرائيليين، ومنهم بتسلئيل سموتريتش، تضيف بعدًا حساسًا لأي مبادرة دولية لا تتضمن نصًا صريحًا يرفض التهجير القسري ويحمي الوجود السكاني الفلسطيني في أرضه.
إن ضمان بقاء السكان وصون حقوقهم ليس مسألة سياسية فحسب، بل التزام قانوني بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.
إن أي إطار دولي يروم تحقيق السلام والاستقرار في غزة ينبغي أن يستند إلى ثلاثة مرتكزات أساسية:
احترام المرجعية الوطنية الفلسطينية وعدم تجاوزها أو الالتفاف عليها.
ربط الإعمار بأفق سياسي واضح ينهي الاحتلال ويجسد حل الدولتين.
ضمان أن تكون أي إدارة انتقالية مؤقتة، داعمة للشرعية الفلسطينية لا بديلة عنها.
خلاصة القول :
السلام العادل لا يُبنى على ترتيبات فوقية، ولا على استبعاد صاحب الحق، ولا على إدارة أحادية تتخذ من الإعمار مدخلًا للاستفراد بالقرار الوطني.
إن غزة ليست ملفًا إداريًا عالقًا، ولا مساحة جغرافية قابلة لإعادة التشكيل السياسي وفق حسابات خارجية، بل هي جزء لا يتجزأ من قضية شعب يسعى إلى ممارسة حقه المشروع في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
إن مستقبل غزة لا يمكن أن يُرسم خارج إطار الشرعية الوطنية الفلسطينية، ولا بمعزل عن وحدة الأرض والشعب، وأي مسار يتجاوز هذه الثوابت لن ينتج سلامًا مستدامًا، بل سيكرّس إدارة أزمة طويلة الأمد تحت مسميات جديدة.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
19/2/2026م
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire