يافا… اسمٌ لا يموت
حكايات في رمضان ( 2 )
حين وُلدت الطفلة، لم يحتَر والداها المنحدران من أزقة يافا وعطر برتقالها في الاسم. كان الاسم حاضرًا قبلها، يسكن الذاكرة والحنين. أسمياها يافا؛ ليبقيا المدينة حيّة في البيت، وفي المخيم، وفي قلب الطفلة التي جاءت إلى الدنيا لاجئة، تحمل اسم وطنٍ لم تره.
كانت يافا تسمع وتكبر ، والمدينة تنمو بداخلها كشجرة أسطورية ، جذورها من وجع ، وأغصانها من شوق .
كبرت يافا في بيوت الصفيح، بين أزقة المخيم الضيقة، حيث تختلط رائحة الغبار بانتظار العودة. كانت تلعب كما يلعب أطفال المخيم، وتنام على حكايات لا تشبه النوم؛ حكايات عن مدينة جميلة على البحر، عن شوارع مرصوفة بالبرتقال، وعن بيوت مفتوحة الأبواب، وعن أهلٍ دافعوا حتى الرمق الأخير.
كانت تسمع اسمها يتكرر في أحاديث الكبار، فتشعر أنّها أكثر من طفلة، وأن اسمها أمانة. وحين كبرت قليلًا، عرفت أن يافا ليست مجرد اسم، بل قضية، وجرح، ووعد مؤجَّل.
في يوم النكبة، خرجت مع أهل المخيم. كان الشارع ضيقًا ، اندمج صوتها الهش مع هتافات الآلاف . أُغلقت المداخل بالحجارة، وتصاعد دخان الإطارات، وارتفعت الشعارات المنددة بالمحتلين . حملت يافا لافتة صغيرة بين يديها الرقيقتين، كُتب عليها: «عائدون». لم تكن تعرف متى، لكنها كانت واثقة أن الكلمة لا تكذب.
وصل الجنود. تبدد الهتاف، وامتلأ المكان بدخان خانق، ثم بصوت الرصاص. في لحظة خاطفة، سقطت يافا. اخترقت الرصاصة صدرها الصغير، وسقطت اللافتة إلى جانبها، ما زالت الكلمة واضحة.
نُقلت إلى المشفى، وانتظر المخيم خبرًا يطمئن القلوب، لكن الخبر جاء كالصاعقة: استُشهدت يافا.
انكسرت ساعة الزمن في المخيم ، جاء نعشها الصغير ، ملفوفاً بعلمٍ وبصمت ثقيل ، فودّعها الأهل والمعارف بعيون دامعة وقلوب مكسورة. ساروا بها في موكب صامت، كأن المخيم كله يمشي خلف اسمٍ فقده ولم يفقد معناه. وُوريت التراب، لكن الحكاية لم تُدفن.
في بيت العزاء، تحدّثوا عنها كما لو كانت أكبر من عمرها: عن شجاعتها، عن ابتسامتها، عن اللافتة التي لم تسقط من الذاكرة. قالوا إن الاحتلال إلى زوال، وإن العودة حق لا يموت.
وبعد أيام، أطلق شباب المخيم اسم يافا على أحد شوارعه. لم يعد الاسم حبيس القبور، بل صار طريقًا يُسلك كل يوم.
ثم حدث ما يشبه المعجزة الصغيرة: وُلدت طفلات كثيرات في المخيم، واتفق الآباء والأمهات على اسمٍ واحد. صار الاسم يتكرر في البيوت، وفي سجلات المواليد، وفي النداء اليومي.
هكذا لم تعد يافا طفلة واحدة، بل صارت جيلًا.
سقط الجسد، لكن الاسم نهض…
وما دام الاسم حيًّا، فالوطن أقرب مما يظنّ الغياب.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire