قصة قصيرة فكاهية
بقلم: طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت عام 2021 ونُقّحت في 10.02.2026)
«الحياةُ أقوى من القوانين، والحب أصدق من كل حكم.»
وقف فلاح فقير أمام القاضي، يرتجف من الخوف.
فكرة واحدة تسيطر عليه: لقد قفز فوق أسوار الإنسان ولم يتحطم، لكن هناك القانون الذي قد يحطّمه.
قال القاضي:
– هل تحرّشت بجارتك في الحقل بين أشجار الصفصاف؟
تكلّم، أو اجعل من لسانك مصنعًا للحروف، وأخرج منه ما يكفي لتدين به نفسك.
تحيّرني بصمتك أيها الوغد، ألا تخاف؟
أليس من الحكمة أن تقوم بعملك على أكمل وجه، فتزرع لنا الفجل وتحصد الملفوف؟
ألا تعلم أن القانون يجرّم حتى ذبابةً لو حطّت على وجهٍ عفيف؟
أليس من الحكمة أن تتقدّم لخطبتها، وأن تعقد قرانكما بشهود ورضًى صادق؟
أليس هذا هو المعروف، حين يكبر الرجل وتظهر غرائزه في حب الطيف؟
ألم تفكّر من قبل بالجريمة؟
العاقل عليه أن يتقدّم مع أهله، يطلب القرب، يدفع المهر، ويضمن الحب طيلة العمر، أليس كذلك؟
أم إن الغباء يعفوك ونحن هنا نبارك لك؟
فقاطعه الفلاح غاضبًا:
– اسمع يا حضرة القاضي، لا تجعل منها سفينة نوح، ولا تركّب الكلام على هواك فتقول ما هو الممنوع وما هو المسموح.
لقد مرّت الحسناء عابرةً حقلي، وكان ثوبها مشقوقًا، فلمع جلدها، وبان القليل من لهيب الشوق… والقليل كان كافيًا لأن أقول لها:
سأنام بين كفّيك،
كفٌّ تحت الخد، وكفٌّ فوق العيون،
وسأحلم بأنني مأسور في قفصٍ ليس له جدران، ولا باب، ولا نوافذ للهرب المجنون.
كل شيء فيه عجب، الداخل إليه غافل.
يا لحن العسل، شقّي الثوب من فوق الخاصرة، اقتربي مني قليلًا، ودعيني أناجي القُبَل بين شروق الشمس وترنّح الغروب.
أراكِ مشكاةً لضوء الليل، فلا خوف عليّ إلا القليل.
وإن جاء الليل وعسعس، أرى حلمي الذي حملته بيدي قد نما في قلبينا كطير النورس.
سألقي بجسدي على جسدٍ من لهب، وأتابع عدّ مسامات الجلد الرقيق بلا همّ ولا تعب، وأقبّل الوجه بحنين… حتى ولو أدخلوني السجن وقالوا عني مغتصبًا.
كان في جيبي خيطٌ وإبرة،
اخطت ثوبها… فقبلتني بأجرٍ أثمن ما تشتهيه النفس المقفلة والروح المغفلة.
هل أتركها تمضي بثوبها المشقوق؟
هل أترك الدبور يلسعها،
والبرقوق يحسّسها، فتتورّم المسامات،
وتعلو الآهات بلا جدوى… وبما يليق بالهوى؟
احكم بما تقضيه المنفعة،
وكفاك تحسّبًا لما هوى أجمل من الندى.
هذه هي كلّ القصة، كلّها بهجة، وليس فيها غصّة.
وأنت تهبط علينا بفلسفة من نوع: أليس… أليس؟
وماذا ستستفيد من الحكم وأنت جالس فوق المنصّة، كأنك ألقيت القبض على لصٍّ ولصّة؟
حاسب من أفسد واسترق السمع وتلصّص…
فلولاه لما علمت بشيء، وبقيت جالسًا تنتظر وتتفحّص.
حاسب المنافق والسارق، واترك العاشق.
لتكون قاضيًا بثوبٍ لائق.
طرق القاضي على الطاولة وقال:
– رُفعت الجلسة، وتصبّب مني العرق.
أشعر بالقرف وهو يفلسف المنطق بشكل أخرق.
سيصعب عليّ النطق بالحكم دون تمثيل، والجريمة جاهزة، والضحية على طبق.
أرسلوا خلفها لكي تأتينا.
سأبدّل ثوبي وأتعطّر، وأملأ صدري بثمين الشوق لحسناء كالعنبر.
فلولا جمالها ما فكّر فلاح وتحدّى.
لقد لعبت وتلاعبت بجمالها، حتى جاء وسرق منها ما سرق.
سأجرّمه بجريمة لا تُغتفر… كل القوانين في رأسي، ولا أحتاج قلمًا ولا دفتر.
هاتوها بعد الظهر وقبل أذان العصر، وسأجعله نادمًا على فعلته منذ يوم ميلاده وساعة ما خُلق.
ويظن أن الأمر سائب، وليس للضحية نائب… سيدفع الثمن حتى ولو كان بريئًا تائبًا.
جاءت المرأة تهزّ الأرض من طولها ومن ضخامة كتفيها،
وبروز نهديها إلى أبعد من اليدين…
وليس فيها من الجمال ولا حتى القليل، ولا يحطّ على جلدها بعوض ولا نمل.
العيون غائرة في المحاجر، والوجه شاحب يدلّ على قلّة النوم والتعب،
والشفاه قد بليت بسيل من اللعاب، والمعدة خاوية من لوعة الحب.
ضربت الأرض بعصاها وصرخت في وجه القاضي فارتعب:
– لقد شاكسني هذا، وأنا شاكرة له على ذلك!
وهل تريدني أن أقضي عمري مثل مكوك الحائك؟
أمرّر الخيط بين الخيط، ولا أعلم إن كان ثوب عروس أم سترة قاضٍ سوداء كليلٍ حالك.
كل ما حدث كان ساعةً من الغفلة…
وكان أجمل من أجمل، وأعطر، وأشهى قبلة.
وأشكر الله أن هذا الطيب قد فعل المطلوب وأسعدني دون مذلّة.
أنا سعيدة يا قاضي، وأرجوك أن تُخلي سبيل هذا المحبوب.
وإن أردت الحكم فقل لي ما المطلوب:
– بدك سجن؟ فاسجني معه في غرفةٍ يحلو فيها الأمل.
– بدك عفو؟ فأذهب معه يمينًا أو شمالًا، في وادٍ أو فوق الجبال.
– بدك خنق؟ فاخنقني معه في بحرٍ مالحٍ أو تحت لحافٍ من حبال.
وأنت ابقَ تضرب بالمطرقة، وارفع الجلسة، واكتب الأحكام… ودع ضميرك يتعذّب ويتقلّب طول الليل بلا نومٍ جميل.
أهذه مهمّتك؟ أن تحاسب الناس؟
اترك الناس وقت الحبّ والفرح… منا لله يا رجل، فهو أعلم بما مُنع عنا وما سُمح.
ليت حبيبي يبقى حبيبي، وتعود لحظات السعادة والمرح.
قال القاضي:
– يا فلاح، هذا نصيبك، والقاضي راضٍ.
خذها وارحل، وتشابكا بالأيادي.
ليتني مررت بمحنة كهذه، وأصير مثلك متهمًا بقبلة.
رُفعت الجلسة، وكانت أجمل جلسة…
فيها قلبان تصارحا، وصار القضاء مثل بسمة، بعد أن كان سجنًا ومشانق وألف لطمة.
اذهب وتزوّجها، وأقم لنا حفلة… والله آتيكم ومعي ألف وردة.
هنيئًا لك تختار على هواك، أما أنا فالحسرة على خطوبتي.
قالوا لي: بنت خالك تنتظرك، وليتني لم يكن لي خال، وبقيت أعزب مرتاح البال.
أخبرني متى سيكون العرس…
سآخذ إجازة، وأخلع عني هذا الثوب النحس.
ظننت أني أحمي القانون… فأي قانون يمنع الحب والهمس؟
تراودني فكرةُ أني عشتُ العمرَ يائسًا،
متلبّسًا به، مخنوقًا بهواءٍ لا يُتنفَّس.
وهكذا، تبقى الحياة، والحب، والفرح… بلا ذنب، بلا عيب، بلا قلق…
إلا ما يزرعه البشر بأيديهم، ولكل ما جنى لنفسه وكتسب.
للأسف، الحياة لا تُقتبس، والقبور لا تتحمّل الآهات.
يا ليتنا نعلم كيف نمضي بين شفتين تاجُهما الابتسامات.
احكم عليه بالبراءة، واحكم على نفسي بجلب الذكريات.
دريسدن – طاهر عرابي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire