lundi 23 février 2026

أ. د. لطفي منصور

أ. د. لطفي منصور
طُرْفَةٌ أَدَبِيَّةٌ:
راقَتْني طُرْفَةٌ قَرَأْتُها في كِتاب "الْمُوَشَّى لِمُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ الْمَعْرُوفِ بِالْوَشَّاءِ (ت ٣٢٥هج) وَهُوَ مِنَ الْبَغْدادِيِّينَ الَّذِينَ تَتَلْمَذُوا عَلَى الْمُبَرِّدِ وَثَعْلَبَ، وَغَيْرِهِما مِنَ الْعُلَماءِ الْكِبارِ. وَهَذا نَصُّها:
حُمَّ الْخَلِيفَةُ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ الْعَبّاسِيُّ يَوْمًا. وَكانَ ذَلِكَ عَقْبَ شَرٍّ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبِيحَةَ، (كانُوا يُسَمُّونَ الْحَسْناوات بِأَسْماءٍ قَبِيحَةٍ خَوْفَ الْعَيْنِ . وَقَبيحَةُ جارِيَةُ الْمُتَوَكِّلِ كانَتْ حَسْناءَ عَصْرِها) فَرَماها بِمِخَدَّةٍ فَغَضِبَتْ وَاحْتَجَبَتْ. فَحُمَّ بِعَقْبِ ذَلِكَ.
قالَ الشَّاعِرُ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ: (صاحِبُ الْقَصِيدَةِ الْمَعْروفَةِ، وَمَطْلَعُها:
عُيُونُ الْمَها بَيْنَ الرُّصافَةِ وَالْجَسْرِ
جَلَبْنَ الْهَوَى مِنْ حَيْثُ أَدْرِي وَلا أَدْرِي)
دَخَلْنا عَلَيْهِ وَإذا الْفَتْحُ (الْفَتْحِ بْنُ خاقانَ وَزِيرُهُ) قائِمٌ وّفي يَدِهِ قارُورَةٌ فِيها الْماءُ، وَيَحْيَى بْنُ ماسَوَيْهِ (طَبِيبٌ سِرْيانِيٌّ مَشْهُورٌ) يَنْظُرُ إلَيْها، فَقالَ: لَيْسَ أَرَى إلّا ما أُحِبُّ (أَيْ بِامْتِثالِ الٍخَليفَةِ إِلَى الشِّفاءِ). فَقُلْتُ: يا أَمِيرَ الْمِؤْمِنِينَ أُنْشِدُكَ أَبْياتًا؟ فَقالَ لِي: أَنْشِدْ، فَأَنْشَدْتُهُ: الْوافِرُ
- تَنَكَّرَ حَالَ عِلَّتِيَ الطَّبِيبُ
فَقالَ: أَرَى بِجِسْمِكَ ما يُرِيبُ
- جَسَسْتُ الْعِرْقَ مِنْكَ فَدَلَّ عِنْدِي
عَلَى داءٍ لَهْ شَأْنٌ عَجِيبُ
- فَما هَذا الَّذي بِكَ هاتِ قُلِّي
فَكانَ جَوابَهُ مِنِّي النَّحِيبُ
(النَّحِيبُ مِنَ الطَّبِيبِ)
- فَجِسْمِي بِالْحَبِيبِ بُلِي سَقامًا
وَقَلْبِي يا طَبِيبُ هُوَ الْكَئِيبُ
- فَحَرَّكَ رَأْسَهُ وَدَنا إلَيَّ
وَقالَ الْحُبُّ لَيْسَ لَهُ طَبِيبُ
-فَأَعْجَبَنِي تَظَرِّفُهُ عَلَيْنا
فَقِلْتُ: بَلَى إذا رّضِيَ الْحَبِيبُ
- فَقالَ: هُوَ الشِّفاءُ فَلا تَوانَ
فَقُلْتُ: أَجَلْ وَلَكِنْ لا تُجِيبُ
(تَوانَ: أَصْلُها تَتَوانَى أَيْ تَتَمَهّلْ. جُزَمَ الْفِعْلُ بِلا النّاهِيَةِ فَحُذِفَ حَرْفُ الْعِلَّةِ)
- أَلا هَلْ مُسْعِدٌ يَبْكِي لِشَجْوِي
فَإِنِّي هاهُنا أَبَدًا غَرِيبُ
فَضَحِكَ، وَدَعا بِالشَّرابِ، وّشَرِبْنا مّعَهُ، وَوَجَّهَ إِلَى قَبِيحَةَ، فَوّقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهُما.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire