dimanche 22 février 2026

قلب يتعلم متأخرا *** بقلم/نشأت البسيوني

قلب يتعلم متأخرا
بقلم/نشأت البسيوني 

يمضي الانسان سنوات طويلة يظن أن القوة في الصبر على ما يرهقه وفي احتمال ما لا يحتمل وفي البقاء في أماكن لم تعد تشبهه وبين أشخاص لم يعودوا يرونه كما كان في بداياته يظن أن التضحية فضيلة حتى لو كانت على حساب كرامته وأن البقاء شجاعة حتى لو كان الثمن روحه ومع كل يوم يمر يكبر داخله شعور غامض بأنه يعيش حياة لا تشبه ما تمنى وأن قلبه لم يعد 

يعرف نفسه كما كان يعرفها من قبل ومع تراكم الخيبات يتغير الصوت الداخلي يصبح أقل وضوحا وأكثر ألما يتحول من صوت هادئ يرشد الى صوت موجوع يستغيث وحين ينام الانسان وهو يشعر بثقل لا يفهمه ويستيقظ وهو يحمل ألما لا يعرف سببه يدرك أن شيئا ما اختل في داخله وأن قلبه لم يعد كما كان وأنه بحاجة إلى أن يتعلم من جديد كيف يرى وكيف يختار وكيف يحمي نفسه 

من الأشياء التي كسرت فيه الكثير ثم تأتي اللحظة التي تنفجر فيها الحقيقة لحظة لا يمكن تجاهلها ولا تأجيلها لأن القلب يتوقف عن التحمل ولأن الروح تتوقف عن الصمت ولأن كل شيء كان يخفيه الانسان يخرج أمامه بلا خوف ولا خجل فيسأل نفسه لماذا يصر على حمل ما لا يجب حمله ولماذا يبقى في علاقة من طرف واحد ولماذا يبرر أخطاء الآخرين ويعاقب نفسه ولماذا يقبل بالقليل وهو 

يعرف أنه يستحق الكثير ولماذا يطفئ صوته ليعلو صوت غيره
وتبدأ رحلة الإدراك المتأخر رحلة يعرف فيها الانسان أن القوة ليست في التحمل بل في الرفض وأن الكرامة ليست رفاهية بل أساس وأن الصدق مع النفس أهم من أي مجاملة وأن الخروج من الأماكن التي توجع الروح خطوة شجاعة لا هروب وأن حماية القلب ليست أنانية بل وعي وأن السلام الداخلي أغلى من أي حضور زائف أو وعد 

مكسور أو علاقة لا تمنح إلا التعب ومع كل خطوة في هذا الطريق يشعر الانسان بأنه يعود إلى قلبه الذي تهشمت أطرافه وأنه يجمع القطع التي بعثرتها السنوات ويرتب ما تبقى منه ويرممه بصبر جديد ويعيد إليه الحياة التي أخذتها الخذلان والخيبات ويصبح أكثر قدرة على التمييز بين من يحبه بصدق ومن يستغله وبين من يمنح وجودا دافئا ومن يمنحه وجعا مستمرا يتعلم القلب متأخرا 

لكنه يتعلم يتعلم أن يعطي نفسه أولا أن يستثمر في راحته أن يختار الأشخاص الذين يضيفون لا الذين يستهلكون وأن يبحث عن العلاقة التي تبنيه لا التي تهدمه وأن يمشي في طريق يعرف نهايته لا طريق ينتظر فيه معجزة وأن يثق بأن كل خسارة كانت مقدمة لراحة أكبر وكل نهاية كانت بوابة لبداية أنقى وكل ألم كان درسا لن ينساه ما دام يعيش

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire