أنين الروح ...
يا لوجع الإنسان حينما تجتمع عليه غربة الروح وغربة الجسد ..
فغربة الروح هي أن يعيش المرء مع أشخاص لا ينتمى لهم فلا تتآلف روحه مع أرواحهم ، ولا طباعه مع طباعهم . أما غربة الجسد ، فهي بعده عن أهله ووطنه، فيبقى دوما يتفحص الوجوه متمنيا أن تلتقى روحه بمن يشبهها ، فلا يجد بينهم من يأنس به أو يطمئن إليه .. وكأنما حكم عليه بلعنة أبدية .. وهي أن يعيش وحيدا غريبا ما تبقى من عمره .
تئن روحه اشتياقا لوطنه وأحبابه ، فلا يجد سوى ذكراهم التي يعيش عليها ، وحتى تلك الذكرى تصبح ألما يشق صدره حين يدرك أن وطنه لم يعد كما تركه ، فقد تغيرت ملامحه ، وأن أحبابه إن بقى منهم أحد قد غيرته الأيام ولم يعد كما كان .
كل سبل السعادة المادية لا تسعده ، ولا تسد فراغ روحه ، ولا تنهى إحساسه بالوحشة . يجلس في أرقى الأماكن ، ويأكل أشهى الطعام ، ويرتدي أفخم الثياب ، ومع ذلك لا شيء يمنحه السعادة ، ولا شيء يبهج قلبه كما كان في الماضي .. يوم كان فى وطنه وبين أهله ورفاقه .
يحاول أن يتأقلم وأن ينصهر حيث يعيش ، ولكن دون جدوى .. ففي كل مرة يعود إلى حاله الأول ، بل يزداد إحساسه بالوحدة والغربة التي تحرق روحه وتفتت قلبه . يصبح الهم الصغير في نظره جبلا كبيرا جاثما فوق صدره لأنه لا يجد من يشاطره إياه .. ولا من يسمع شكواه ولا من ينتبه لأنين روحه .
تتسرب أيامه من بين يديه يوما تلو الآخر دون أن يعيشها أو يشعر بها ، فيومه يشبه غده ، وليس له أمل يعيش عليه سوى الحلم بعودته إلى وطنه وإلى من يهواهم قلبه ..
أحاديث الروح
بقلمى رشا القمحاوى
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire