لكي لا ننسى... مجزرة تكريت.
في حزيران 2014، لم يكن أولئك الشباب يحملون سوى أحلام العودة إلى أهلهم. خرجوا من معسكرهم وهم يظنون أن الطريق يقودهم إلى النجاة، لكن الطريق كان يقودهم إلى واحدة من أبشع المآسي في تاريخ العراق الحديث.
وبحسب روايات عدد من الناجين وشهادات متداولة في التحقيقات والكتابات التي تناولت الحادثة، فإن الجنود لم يقعوا بداية في قبضة تنظيم داعش مباشرة، بل تعرضوا للخداع والاستدراج من قبل مسلحين ومجاميع محلية قيل إنها كانت تنتمي إلى ما عرف آنذاك بـ"ثوار العشائر" في مناطق تكريت والعوجة. وتشير تلك الروايات إلى تورط أفراد ومجاميع من عشائر مختلفة من رموز النظام البائد. في عمليات التجميع والنقل والتسليم والمشاركة في الجريمة، وهي قضايا تناولتها التحقيقات والشهادات المرتبطة بالحادثة.
وتذهب بعض هذه الشهادات إلى أن داعش لم يكن قد بسط سيطرته الكاملة على تكريت عند لحظة أسر الجنود، وأن الضحايا اقتيدوا بعد وعود بالأمان وإعادتهم إلى أهاليهم، قبل أن تتحول تلك الوعود إلى مصيدة موت جماعي.
كانت الأمهات ينتظرن أبناءهن على أبواب البيوت، وكان الآباء يترقبون خبراً يطمئن القلوب، لكن دجلة حمل معه حكايات أخرى؛ حكايات شباب قطعت أحلامهم قبل أن تبدأ، ودماء سالت ظلما وعدوانا على أرض العراق.
في تلك الأيام السوداء، لم يكن الضحايا أرقاما في سجل الأحداث، بل كانوا أبناءا وإخوة وآباء ومستقبلا لوطن كامل. كانوا يحملون أحلام الدراسة والزواج وبناء الحياة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام مصير لم يتخيلوه، بعدما استدرجوا بخديعة الأمان إلى ساحات الموت.
وتتحدث روايات عديدة عن أن بعض المشاركين في الجريمة كانوا يتعاملون مع الضحايا وكأنهم غنائم حرب أو وسيلة لتصفية الأحقاد، لا بشرا لهم عائلات وأمهات ينتظرن عودتهم. وهنا يقف الإنسان مذهولا أمام حجم المأساة، متسائلا. كيف يمكن أن يتحول شباب عزل وثقوا بكلمة أمان إلى ضحايا لجريمة بهذا الحجم؟
وأي مفاخرة يمكن أن تبنى على دماء الأبرياء؟ وأي شرف يرجى من التباهي بقتل شباب عزل أُعطوا الأمان ثم غدر بهم؟ وإذا صحت الروايات التي تحدثت عن توزيع الأسرى على مجموعات وأفراد للمشاركة في قتلهم، فأي سقوط أخلاقي أكبر من ذلك؟ أين الإسلام الذي حرم الغدر وجعل قتل النفس البريئة من أعظم الكبائر؟ أين العروبة التي عرفت بإغاثة المستجير وحماية المستأمن؟ أين الرجولة التي تفرض نصرة الضعيف لا التشفي منه؟ وأين الأمانة التي توجب الوفاء بالعهد لا نقضه؟ لقد سقطت في تلك اللحظات كل الشعارات، ولم يبق إلا مشهد الدم والظلم والغدر.
وما زالت فاجعة تكريت تمثل جرحا مفتوحا في الذاكرة العراقية، ليس بسبب عدد الضحايا فحسب، بل بسبب الطريقة الوحشية التي ارتكبت بها الجريمة، وما رافقها من مشاهد هزت ضمير كل إنسان يمتلك ذرة من الرحمة.
رحم الله شهداء سبايكر، وجعل ذكراهم شاهدا على أن الدم العراقي أغلى من كل خلاف، وأن العدالة وحدها قادرة على تضميد جراح الذاكرة.
وسيظل الخزي والعار يلاحق كل من شارك في هذه الجريمة المروعة، أو حرض عليها، أو سهل وقوعها، أو تستر على مرتكبيها، فدماء الأبرياء لا تمحوها السنين، والتاريخ لا يرحم من تلطخت أيديهم بدماء الشباب المغدورين.
إن استذكار سبايكر ليس دعوة للانتقام، بل هو وفاء للشهداء وتمسك بالحقيقة والعدالة، حتى تبقى هذه الفاجعة درسا للأجيال، والعزة للعراق وأهله الشرفاء.
محمد الدراجي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire