lundi 11 mai 2026

بقلم الدكتور/محسن رجب جودة

الفصول الأخيرة من قصة زينب أسطورة الصعيد 
‏بقلم الدكتور/محسن رجب جودة 
‏مع بزوغ فجر الفصل السابع، تحولت "عزبة زينب" إلى ما يشبه الثكنة العسكرية المحاصرة. لم يعد القائد "أرثر" يكتفي بالمراقبة عن بُعد، بل قرر أن يواجه "الروح" التي تقود هذا العصيان وجهاً لوجه. أصدر أمراً بنصب خيمته القيادية في قلب الحقول، على بُعد أمتار قليلة من ساقية زينب، في محاولة يائسة لاستفزازها أو كسر صمودها النفسي.
‏كان المشهد سريالياً؛ جنرال يمثل إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، بكل نياشينه وغطرسته، في مواجهة امرأة بوشاح أسود لا تملك سوى "فأس" وعزيمة لا تلين.
‏لقاء فوق التراب
‏في ظهيرة أحد الأيام، وبينما كانت زينب تسقي زرعها ببرودٍ أعصاب مذهل، اقترب منها "أرثر". لم يكن معه سوى المترجم. وقف أمامها، وظله الطويل يغطي جسدها النحيل. نظرت إليه زينب، ولم تتوقف عن العمل.
‏"لماذا لا تخافين؟".. سألها "أرثر" مباشرة، وعيناه تبحثان عن ذرة ارتباك في وجهها.
‏مسحت زينب جبينها بكفها الملطخة بالطين، وقالت بصوت هادئ كجريان النيل: "الخوف للي بيسرق يا خواجة، مش للي بيزرع. الأرض دي بتعرفني، وبتعرف دقات قلبي.. أنت اللي غريب عنها، والشرقي في بلدي بيخاف من الغريب."
‏لعبة القط والفأر
‏حاول "أرثر" إغراءها تارة وترهيبها تارة أخرى. تحدث عن "الحضارة" وعن "القوة" التي لا تُقهر، لكن ردود زينب كانت دائماً كطلقات الرصاص الصامتة.
‏"القوة في الحق يا سيدي الضابط.. أنت معاك الحديد، وأنا معايا التراب.. والحديد في الآخر بيصدي، لكن التراب بيفضل حي ويطلع زرع."
‏في تلك اللحظة، أدرك "أرثر" أنه لا يحارب امرأة، بل يحارب "هوية". كان يرى في عينيها انعكاساً لكل شهيد سقط، ولكل أب حُرم من ابنه. شعر بالهزيمة في عقر دار قوته؛ فكلما زاد حصاره لها، زادت هي شموخاً، وصار أهل القرية يستمدون قوتهم من "نظرتها" التي لا تنكسر.
‏نذير الانفجار
‏قبل أن يغادر "أرثر" الحقل، سقطت من جيبه ساعة ذهبية. انحنت زينب، التقطتها، وقدمتها له وهي تقول:
‏"خد ساعتك يا خواجة.. الوقت في بلدي مش بالدقائق، الوقت عندنا بالعمر اللي بنقضيه في حماية الأرض. وساعتك بتقول إن وقتكم قرب يخلص."
‏عاد الضابط إلى خيمته وهو يشعر بضيق في التنفس. كانت كلمات زينب تطارده كالأشباح. وفي تلك الليلة، حدث ما لم يتوقعه؛ لم يُقتل جندي، بل بدأ الجنود أنفسهم يتركون أسلحتهم ويهربون نحو النيل، مدفوعين بيأسٍ وجودي أمام صمود هذه المرأة.
‏لقد بدأت "مملكة الخوف" التي بناها الإنجليز تتهاوى من الداخل.. بفضل نظرة عين فلاحة.

الفصل الثامن: ليلة الغدر.. والمصيدة الكبرى
‏لم يكن "أرثر" ليقبل الهزيمة النفسية التي ألحقتها به زينب أمام جنوده. كان يعلم أن بقاءها حرة يعني زوال هيبته تماماً. وفي ليلة غابت فيها النجوم وتلحف فيها الجبل بسوادٍ ثقيل، قرر الخروج عن "قواعد الشرف العسكري" ونصب فخٍ لا ينجو منه إنس ولا جان.
‏استعان الضابط بـ "عين" خائنة من خارج القرية، رجل لا يعرف للأرض حرمة، ليدله على المكان الذي تخفي فيه زينب "سرها"؛ ذلك المكان الذي تذهب إليه كل ليلة قبل أن يختفي جندي جديد.
‏أشاع الإنجليز خبراً كاذباً عن وصول "فرقة إعدام" ستقوم بتمشيط الحقول وحرق كل ما تقع عليه أيديهم عند الفجر. كان الهدف استدراج زينب للخروج وحماية "مقبرة الـ 29" التي لم يكتمل عددهم بعد.
‏خرجت زينب كعادتها، منسابة كالماء في قنوات الري، لكنها شعرت بشيء غريب في نسمات الليل؛ كانت رائحة "البارود" تسبق رائحة "الخواجة". حين وصلت إلى بقعة الأرض التي تضم جثامين الجنود، أُضيئت فجأة عشرات المشاعل، وحاصرها جنود مدججون بالسلاح من كل جانب.
‏وقف "أرثر" في المواجهة، وعلى وجهه ابتسامة انتصار صفراء:
‏"أمسكنا بـ (النداهة).. أين سكاكينك الآن يا زينب؟"
‏لم تحاول زينب الهرب. وقفت شامخة وسط دائرة النار، ونظرت إلى الحفرة التي كانت تنوي أن تجعلها مرقداً للجندي الثالث عشر. لم ترتجف، بل ضحكت ضحكة هزت أركان الليل، ضحكة جعلت الجنود يتراجعون خطوة للوراء رغم أسلحتهم.
‏"المصيدة مش ليّ يا خواجة.." قالتها بصوت يملأه اليقين.. "المصيدة للأرض اللي أنتم واقفين عليها. فاكر إنك حاصرتني؟ أنت حاصرت روحك في مكان ملوش باب خروج."
‏ليلة الغدر
‏في تلك اللحظة، أعطى أرثر إشارته، وبدأ الجنود في الهجوم. لم تكن معركة متكافئة؛ امرأة وحيدة في مواجهة كتيبة. لكن زينب دافعت عن أرضها بـ "منجلها" وكأنها تملك ألف ذراع. كانت تضرب وتقاوم، تنهش وتجرح، صابغاً تراب حقلها بدمائها ودماء أعدائها.
‏حين سقطت زينب أخيراً تحت وطأة الأعداد الكبيرة، وهي تنزف من جراحٍ شتى، اقترب منها "أرثر" ليعتقلها. لكنها، وبآخر ما تبقى لها من قوة، بصقت في وجهه وقالت:
‏"العدد لسه مكملش.. بس الدم اللي سال النهاردة، هيخلي كل عيل في المنيا يكمل الحساب."
‏انتهت الليلة باعتقال زينب، لكنها لم تكن ليلة نصر للإنجليز؛ فقد رأى الجنود في عينيها وهما يقيدونها "شيطاناً" لا يموت، بل روحاً ستطارد ثكناتهم حتى يرحل آخر جندي عن أرض النيل.

الفصل التاسع: المحاكمة.. وصوت الحق خلف القضبان
‏خلف القضبان الحديدية لزنزانة باردة في قلب المنيا، جلست زينب. لم يكن القيد في يدها يمثل انكساراً، بل كان وساماً يلمع في عتمة السجن. انتشر خبر اعتقالها كالنار في الهشيم؛ توقفت السواقي عن الدوران، وصمتت المآذن والحقو، وكأن القرية بأكملها تحبس أنفاسها بانتظار "كلمة زينب" الأخيرة.
‏قرر "أرثر" أن تكون المحاكمة علنية، ليجعل منها "عبرة" لكل من تسول له نفسه تحدي التاج البريطاني. لم يكن يعلم أنه بذلك يمنح زينب المنصة التي ستزلزل بها أركان ملكهم.
‏في قاعة المحكمة التي غصت بالضباط الإنجليز في جانب، وبحشود الفلاحين الذين تحدوا الرصاص ليحضروا في الجانب الآخر، وقفت زينب في القفص. كانت جراحها من ليلة الغدر قد بدأت تلتئم، لكن ملامحها ازدادت حدة وصرامة.
‏بدأ المدعي العام العسكري بسرد قائمة الاتهامات: "قتل 12 جندياً، التحريض على التمرد، تعيين الذات قاضياً وجلاداً."
‏حين جاء دورها للكلام، ساد صمتٌ جنائزي. لم تنظر زينب إلى القاضي، بل نظرت مباشرة إلى عيون "أرثر" الجالس في الصف الأول.
‏"أنا مقتلتش جنود.." قالتها بصوتٍ جهوري هز جدران القاعة.. "أنا طهرت أرضي من وِخَم غريب. أنتم اللي جيتوا من بلادكم عشان تقتلوا محيي، وتسرقوا لقمة العيش، وتدوسوا على شرفنا. اللي عملته مش جريمة.. اللي عملته هو قانون الأرض اللي أنتم متعرفهوش."

‏تحولت الجلسة من محاكمة لـ "فلاحة" إلى محاكمة لـ "إمبراطورية". كلما سألها القاضي سؤالاً، ردت عليه بسؤالٍ أعمق.
‏"بأي حق تحاكمونني؟" صرخت في وجههم.. "بأي حق تعبرون البحار لتسكنوا بيوتنا؟ لو جئتُ أنا إلى لندن وقتلتُ رجالكم في مزارعهم، هل كنتُ سأُعتبر بطلة أم مجرمة؟"
‏ارتبك القاضي، وتعالت همهمات الإعجاب من جانب الفلاحين، وبدأ الضباط الإنجليز يشعرون بالخطر؛ فكلمات زينب كانت تخترق دروعهم النفسية وتكشف عورات منطقهم الاستعماري.
‏صدر الحكم المتوقع: "الإعدام شنقاً".
‏لم يهتز للمحكوم عليها جفن. ابتسمت زينب ونظرت إلى أهل قريتها خلف القضبان وقالت:
‏"الحكم ده مش موتي.. الحكم ده هو ولادتي الحقيقية. روح زينب مش في جسدها، روح زينب في كل حبة قمح هتطلع من الأرض اللي سقيناها بدمنا. خذوا جسدي.. بس الأرض خلاص عرفت الطريق."
‏خرجت زينب من قاعة المحكمة وهي مقيدة، لكنها كانت تمشي بخطوات ملكة. وفي تلك اللحظة، بدأت أولى بوادر "الثورة الكبرى"؛ حيث هتف طفل صغير من بين الحشود: "كلنا زينب!".. ليرد خلفه الآلاف، ويتحول السجن إلى بركان يغلي.
الفصل العاشر: الرحيل الأسطوري.. وانفجار البركان
‏جاء فجر اليوم الموعود، فجرٌ لم تشهد المنيا مثله قط. كانت السماء ملبدة بغيوم حمراء، وكأن الشمس خجلت من أن تشرق على مشهد إعدام "روح الأرض". نُصبت المشنقة في الميدان الكبير، وأحاط بها جيش كامل من القوات البريطانية، مدججين بالسلاح والخشية، خوفاً من زحف الفلاحين الذين احتشدوا بالآلاف في صمت مهيب، صمتٍ يشبه الهدوء الذي يسبق الزلزال.
‏خرجت زينب من زنزانتها. لم تكن تمشي إلى موتها، بل كانت تخطو نحو عُرسها الأخير. كانت ترتدي ثوباً أبيض ناصعاً، وفرته لها نساء القرية سراً، وتلف وشاحها الأسود فوق رأسها بوقار الملوك. حين رأتها الحشود، ارتفع نحيبٌ مكتوم، سرعان ما تحول إلى تمتمات بآيات من القرآن وأدعية تزلزل القلوب.
‏رأت "أرثر" واقفاً بعيداً، يراقبها بنظرة غامضة، ممزقة بين شعور بالانتصار العسكري وهزيمة إنسانية ساحقة. وقفت زينب فوق منصة الإعدام، نظرت إلى الحقول البعيدة، إلى النخيل الذي شهد كفاحها، وإلى السكة الحديد التي سلبها حبيبها.
‏التفتت زينب إلى الجلاد، ثم إلى الحشود، وقالت بصوتٍ صافٍ اخترق كل الحواجز:
‏"متبكوش يا أهل بلدي.. اللي بيموت عشان الأرض بيفضل حي فيها. محيي مستني غسيل كرامته، وأنا رايحة أتم الحساب. الـ 29 مش رقم مات.. الـ 29 هو وعد في رقبة كل واحد فيكم. طهروا الأرض، ومتمكنوش الغريب من طينكم."
‏حين وُضع الحبل حول عنقها، لم يرتجف لها جفن. نظرت إلى السماء وابتسمت، وفي اللحظة التي سقطت فيها المنصة، صرخت الحشود صرخة واحدة هزت أركان المعسكر الإنجليزي: "الله أكبر.. الأرض حرة!"
‏لم ينتهِ الأمر برحيل جسد زينب؛ بل كان رحيلها هو الفتيلة التي أشعلت الانفجار الكبير. لم يكد جسدها يهدأ، حتى انقض الفلاحون بصدور عارية وفؤوس حادة على الثكنات. في تلك الليلة، لم يجد الإنجليز مكاناً يختبئون فيه؛ فالنخيل صار يقاتل، والتراب صار يغلي، والبيوت صارت قلاعاً.
‏هرب "أرثر" في جنح الليل، تاركاً خلفه معسكراً يحترق، وصورة لامرأة فلاحة ستطارده في أحلامه حتى نهاية عمره. لقد اكتمل العدد، وتجاوز الـ 29 بكثير؛ فكل رصاصة إنجليزية قوبلت بألف حجر وصيحة حق.
‏الخاتمة: شجرة زينب
‏بعد سنوات طويلة من رحيل الإنجليز، ظل أهل المنيا يتناقلون قصة "زينب". ويقولون إن شجرة صبار كبيرة نمت في المكان الذي نُصبت فيه مشنقتها، شجرة لا تذبل أبداً، وتفوح منها في الليالي القمرية رائحة "بخور" خفيفة.. رائحة "زينب" التي أرعبت الإمبراطورية، ووهبت حياتها لتظل الأرض مصرية، حرة، وأبية.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire