الحبُّ الحقيقيّ
لا يدخلُ حياتَنا بالتدريج…
بل يقتحمُها اقتحامًا،
كقَدَرٍ ضلَّ طريقَهُ طويلًا
ثمّ وجدنا أخيرًا.
يأتي فجأة،
دونَ تمهيدٍ يُنذرُ القلب،
دونَ استئذانٍ من خوفِنا القديم،
فنجدُ أنفسَنا — على غيرِ عادة —
نفتحُ لهُ كلَّ الأبواب.
كان الأمرُ أشبهَ بمعجزةٍ صغيرة؛
أن تجدَ إنسانًا
يشبهُ الطمأنينةَ التي بحثتَ عنها
في وجوهِ العالمِ كلّه،
أن تنظرَ إليه
فتشعرَ أنّ روحكَ
توقّفتْ عن التِّيه أخيرًا.
وفجأةً…
تصيرُ تفاصيلُهُ جزءًا منك،
ضحكتُهُ،
صمتُهُ،
طريقتُهُ في نطقِ اسمكَ،
حتى غيابُهُ لساعاتٍ قليلة
كان يتركُ في قلبكَ
فراغًا لا يُحتمل.
كنتَ تُصدّق،
لأوّلِ مرّة،
أنّ بعضَ البشر
لا يُرسَلونَ إلينا عبثًا،
بل ليكملوا ما انكَسرَ فينا.
لكنَّ الحياة
لا تُعطي دائمًا تفسيراتٍ عادلة.
ففي اللحظةِ التي
تأخذُ فيها قلبَكَ إلى الأمان،
قد تسحبُ منك كلَّ شيءٍ دفعةً واحدة.
انتهتِ الحكايةُ فجأة…
بقسوةِ بابٍ أُغلِقَ
بينما كنتَ ما تزالُ تتحدّث.
لا خيانةٌ واضحة،
لا مشهدَ وداعٍ أخير،
فقط صمتٌ بارد
ترككَ معلّقًا
بينَ الذكرى
والإنكار.
ورحل.
لكنَّ الكارثةَ الحقيقية
لم تكنْ في الرحيل،
بل فيما تركهُ بعده.
ذلك الأثرُ الصغير
الذي ظننتهُ سيمضي مع الوقت،
كبرَ داخلكَ ببطءٍ مرعب،
حتى صارَ وطنًا كاملًا من الحنين.
مرّتِ الأيّام،
ثمّ السنوات،
وتغيّرتْ ملامحُك،
لكنَّ قلبكَ
ظلَّ عالقًا
عندَ اللحظةِ التي فقدهُ فيها.
الغريبُ
أنّ الراحلينَ يتوقّفونَ في ذاكرتِنا
كما كانوا،
بينما نحنُ
نواصلُ الشيخوخةَ وحدنا.
يكبرُ العمر،
ويكبرُ معهُ الحنين،
كأنّهُ كائنٌ حيّ
يقتاتُ على الذكريات.
وفي كلِّ مرّةٍ
تظنُّ أنّكَ نجوت،
يعيدُكَ شيءٌ صغير
إلى البداية:
رائحة،
أغنية،
شارعٌ قديم،
أو ليلةٌ تشبهُ تلك الليالي
التي كنتَ فيها
مطمئنًّا لأنّهُ موجود.
فتدركُ متأخرًا…
أنّ بعضَ القصص
لا تنتهي حينَ يرحلُ أصحابُها،
بل تبدأُ نهايتُها الحقيقية
داخلَ مَن تبقّى بعدها.
وأنَّ الحنينَ
ليسَ مجرّدَ اشتياقٍ لشخص،
بل حياةٌ كاملة
توقّفتْ فجأة،
بينما استمرَّ قلبُكَ
ينتظرُها
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire