#قَرَاءَةٌ #مُبسَّطةٌ
#الفَوضَويَّـةُ وَ #العَبَثيَّـةُ
وَجهَــانِ لِمَادَّةٍ أدَبيَّةٍ وَاحدَةٍ!
كِتاباتُ القاصِّ عَلي الحَداد.. مِثالًا.
#تَـمْهِيــــــــدٌ
عَتَبَةُ قَراءَتِنَــا تَتَنَاوَلُ ثَلاثَةَ نصُوصٍ أدبيَّةٍ نُشِـرَتْ مِنْ قِبلِ كاتبِهَــــا الإستَـــاذُ
( علي حداد منَ العِراق )، وَ كَمَا بَدَتْ لنَا في أثنَاءِ مُتابعتِنَا لِنتاجاتِ الكاتِبِ.
نَعتَقدُ أنَّهَا اعْتَمدَتْ علىٰ أسلُوبينِ أو مِعيارينِ في الكِتابَةِ الأدبيَّةِ دونَ سِواهُمَا
" الفَوضَويَّةُ وَ العَبَثيَّةُ"!
كِلاهُمَـــا يَلتقيــانِ في رَفضِ المَنطقِ
وَ العقلانيَّةِ، وَ التَّمرُّدِ علىٰ القِيمِ السَّائدةِ،
وَ القواعِدِ التَّقليديَّةِ في (السَّردِ وَ الحِبكَةِ
وَاللُّغةِ) في النَّصِّ الأدبيِّ، لكِنَّهُما يَفترقانِ في الهَدفِ وَ المَنهجِ. فَالعبثيَّةُ حالةُ إدراكٍ "وَعيٍّ"، بَينمَا الفَوضويَّةُ فِعلُ تَمرُّدٍ" ثَوريٍّ"
تَتجلَّىٰ عَلاقَةُ التَّيارينِ في الأعمالِ الأدبيَّةِ الكَلاسيكيَّةِ العالميَّةِ في:
* " الغَريبُ " ألبير كامو
* " المِسـخُ " فرانس كافكا
* "في انتظارِ غُودُو" صموئل بيكيت
الأوَّلُ:- #الفَوضويَّــةُ
فِعلُ تَمرُّدٍ كَحركةٍ سياسيَّةٍ إجتماعيَّةٍ، تعمَـلُ عَلـىٰ إلغَــاءِ النُّظــمِ الإسـتبداديَّــةِ،
وَ تدعو إلىٰ الحريَّـةِ الفَرديَّـةِ وَ التَّنظيــمِ الطَوعي لِلمجتمعِ، ثُمَّ إنَّها ترفضُ السُّلطةَ، سَواءً كانتْ إيدلوجيَّةً أو دينيَّةً.
تَهدِفُ إلىٰ إقامةِ عَلاقاتٍ تَوافقيَّةٍ، بعيدةً عنِ السُّلوكِ الفَوضَوي العَشوائي وَالمتَمرِّدِ.
ثَمَّةَ عَلاقَةٌ وَثيقةٌ تَربطُ الفَوضويَّـةَ بِالأدبِ، كإبداعٍ إنسانيٍّ؛ كَونُهُ أداةً فِكريَّةً
وَ ثَقافيَّـةً لِنشرِ مبادِئِ الحُريَّـةِ الَّتي تُنادي
بِهَا، وَ وَسيلةً لِنقدِ المجتمعِ.
كَذلكَ إظهارُ الواقعِ الطَبقي، وَالبحثُ عنِ البديلِ في نظامٍ جماليٍّ لا مَركزيٍّ، يَتَولَّدُ منْ تِلقاءِ نَفسِهِ، رَافضًا التَّقليدَ وَ التبعيَّةَ،
وَ هي ليستْ نقيضُ النِّظامِ في الأعمالِ الأدبيَّــةِ، بَلْ مُولِّدَةٌ لَهُ، مِنْ خِلالِ إعَــادةِ تَشكيلِ الجَّمالِ عَلىٰ وُفقِ مَنطقٍ وَ مُتغيِّرٍ مُحدَّدٍ.
أبرزُ سِماتِ الفَوضويَّةِ.. التَّمرُّدُ علىٰ القَواعدِ الأدبيةِ، وَ المنظوماتِ الثقافيَّةِ الجامدةِ، وَ التركيـزُ علىٰ إعْـلاءِ قيمَــةِ الحريَّةِ الشَّخصيةِ، وَ فَضحِ اسْتبدادِ أيِّ نَوعٍ مِنَ السُّلطاتِ!
الثَّاني:- #العَبَثيَّــةُ
في نظرِهَـــا.. الكونُ غيرُ عَقلانـيٍّ
وَ فَوضويٍّ، يَبحثُ فيهِ الٕانسانُ فِطريًّا
عنْ مَعنًىٰ وَ قيمَةٍ لِأفعَــالهِ في خَضِــمِّ
حَيــاةٍ تفتقرُ إلىٰ المَعنَـىٰ، وَ الشُّعُـــورِ بِأهميَّتهِ كَإنسانٍ في مُحيطِهِ.
مِنْ هُنَــا يَحصلُ صِراعٌ بينَ رغبةٍ في تَـحقيقِ هَـدفٍ مَــا، وَ بينَ عَــالمٍ يَحِثُّ الخُطَىٰ بِلا غايَةٍ مُعيَّنَـةٍ.
لِذَا بَرزَتِ اسْتجاباتٌ لِلتعاملِ معَ واقعٍ عَبثيٍّ يَعيشُهُ الإنسانُ في نُصُوصٍ أدبيةٍ عالميَّــةٍ انْحصرَتْ بينَ الإيمانِ وَ التَّمرُّدِ
وَ الٕانتحــارِ، زِدْ عَلىٰ ذٰلكَ.. السُّخريَّة منْ
جِدِّيَةِ الحَياةِ وَ جَدواهَا.
وَ إنسانُ أسطُورةِ سِيزيف (ألبير كامو)
خَيرُ مِثالٍ علىٰ ذٰلكَ، حَيثُ اسْتَنفَدَ حَياتَهُ يُدَحرِجُ صَخرَةً كَبيرةً منْ أسفلِ جَبلٍ شاهقٍ.. إلىٰ القِمَّةِ، بِلا جَدوَىٰ.. فَارتبطَ فِعلُهُ هٰذا بِالعَبَثيَّةِ!
#أصلُ المَوضُوعِ..
نَسوقُ هٰذا التَّمهيدَ لِدخُولِ نصُوصٍ أدبيَّةٍ، مُلتزمَةٍ بِقصديَّةٍ مُحدَّدةٍ، لٰكنَّهـا لا تَحملُ هَويَّةَ جنسٍ أدبيٍّ مُكتملِ العَناصرِ
وَ المُحدَّداتِ.
إقتفَىٰ كاتِبُهَا خطُواتِ عاطفَةٍ مُنحازَةٍ لِرمُوزٍ مَسحوقَةٍ، وَمُهمَّشةٍ نَراهَا في زوايَا المُجتمعِ أو في البَيتِ..
أغرقَنَــا بِوَهْـمِ الخَيـالِ عِبرَ وَمضاتٍ عَفويَّــةٍ، متنَـاسِقةِ الأفكـــارِ، مُعبِّـــرًا عنِ انْفعالاتٍ نَفسيَّةٍ حَدَتْ بِالكـاتِبِ كِتابتَهَـــا بِخطــابٍ أَلـيفٍ، وَ لُغَةٍ تَهبطُ أحيانًـــا إلــىٰ مستَوًىٰ مُتدنٍّ في نَقلِ الأفكارِ، أو الأفعالِ، أو الألفاظِ، لِغايةٍ في نفسِهِ، أرادَ بِـها سرعَةَ وصولِ الفكرةِ بُغيَةَ التَّفاعلِ معَها، حتَّىٰ لَو كانتْ لُغةَ سَبابٍ وَ شَتيمةٍ، ثُمَّ فَضحِ عيُوبٍ دائمةٍ لا تَندمِلُ جِراحاتُها، وَ لا تَنطمِسُ آثارُهَــا.
وَ لِغايةٍ أُخرَىٰ يَرُومُ بِها تَحطيمَ حاجزِ الخَــوفِ وَ الرَّهبَــةِ وَ القُدسيَّــةِ لِسلُــوكٍ سلطَويٍّ عَـاثَ بِالنَّفسِ البَشريَّةِ فَسادًا وَ تَنكيلًا، وَ اسْتفزَّ طاقاتٍ كامنَةً فيها مِمَّا حَدَا بِهَا التَّمرُّدَ طالَمَا السِّلطةُ ــ مَهما كانَ نوعُهَا ــ مُوغلَةً في غَـيِّهَــا علىٰ حِســابِ وجُودِ شَرائحَ مقهورَةٍ في المجتمعِ.
(#مُلاحظَةٌ قبلَ بِدْءِ قَراءَتِنَا لِلنُّصُوصِ)
تُعَرَّفُ القِصَّةُ القَصيرَةُ بِأنَّهَا: مَجمُوعَةٌ منَ الأحداثِ عنْ شَخصيَّةٍ أو اَكثرَ، يَرويها رَاوٍ بِحسبِ ترتيبِها الزَّمني، بِصورةٍ مشوَّقَةٍ وَ بإسلــوبٍ يَعتمِـدُ علىٰ السَّردِ وَ الحِوارِ، بِحيثُ تَتطوَّرُ تِلكُـمُ الأحـداثُ لِتَصِلَ إلىٰ ذَروةٍ تَتأزَّمُ فيهَـا، وَ يَرتفعُ مَنسُوبُ عُنصرِ التَّشويقِ لَدَىٰ القَارِئ.
وَ القِصَّةُ القصيرَةُ تَشبَهُ غيرَهَــا منَ الأجناسِ الأدبيةِ، تَحملُ رسالةَ إبداعٍ بينَ طَيّاتِهَا، تَستهدفُ تَقييمَ وَ تَقويمَ ثَقافةِ مُجتمَعٍ جَثمتْ علىٰ وَعي النَّاسِ جَميعًــا..
وَ قَطعًا هٰذَا النَّقدُ أو التَّقويمُ لا يَسلمُ منَ المُجابهَةِ وَ المُعارضَةِ، لأنَّهُ يَمسُّ تَصرُّفاتٍ وَ سلوكيَّاتٍ مُجتمَعيَّةٍ، مِمَّا يَضطَرُّ الكاتِبُ أنْ يُبدِعَ إسلُوبًا خَاصًّا بهِ، منْ خِلالِ أدواتٍ فَنيَّةٍ وَ لُغَويَّةٍ وَ فكريَّةٍ، تَبَعًا لِعمقِ تَجربتِهِ وَ ثقافتِهِ.
هٰكذَا نَرَىٰ نصَّ القِصَّةِ القَصيرَةِ.
وَ في أدناهُ ثَلاثَةُ نصُوصٍ معَ قَراءَاتِهَــا..
#النَّصُّ #الأولُ
" القربـان "
تُرىٰ.. ما الذي سيحدث لك وانت ترى نفسك تَذبح قربانا لان زوجة عباس ولدت ذكرا او لأن عباس اشترى عربة جديدة.. او لأن الصغير نجح من المرحلة الرابعة الى الخامسة..
وبماذا ستشعر لو ان دماءك الزكية سالت على ارض الحديقة الغناء لان احد الناظمين اصدر ديوانا من الشعر الحديث..
الحقيقة المرة هي اننا لم نعد نعيش الفخر، الا عندما نستذكر دماء خروفنا الاول، وهي تسيل..
قربانا لنبينا اسماعيل!!)
(الكاتب/علي حداد)
#قَـراءَةُ #النَّصِّ-
هٰذهِ قِمَّةُ التَّمرُّدِ علىٰ أعرافٍ سائدةٍ في مُجتمعٍ بشريٍّ تَخلَّفَ عَنِ الرَّكبِ الحَضاري، وَ رَاحَ يَتبجَّحُ بعضُ ناسِهِ، بِفتلِ شارِبهِ أو تَمْسيدِ لُحيَتِهِ فَخرًا وَ اعتزازًا بالتَّمسُّكِ بِعُرًىٰ مُجتَمعيَّةٍ وَاهيَةٍ.
الكاتِبُ صَبَّ جامَ غَضبِهِ علىٰ مَنْ يَعتزُّ بِسَفكِ دِماءِ قَرابينَ مَجَّـانًا، رُغمَ أنَّ لَهــا تَخريجــاتٌ عَقَديَّـةٌ وَ شَرعيَّـةٌ لَدَىٰ فِئاتٍ واسـعَةٍ، وَ يَعِدُّهــا- أي: الكاتِبُ- مَوقِفًـــا مُقرِفًا، يَجرُّ حتمًا إلىٰ مَجَّانيَّةِ سَفْكِ دِماءِ الضَّحايَا مِنَ البَشرِ بِفعلِ استبدادِ سُلطَـــةٍ - أيًّا كانَ نَوعَهَا- عنْ طريقِ افْتعالِ حرُوبٍ بَيْنِـيَّةٍ في المُجتمعِ أو معَ مُجتمعاتٍ أُخرَىٰ!
انْطلَقَ الكاتبُ مِنْ قناعَـةٍ شخصيَّــةٍ
تَرفـضُ عَبثيَّـةَ أفعـالٍ تَحصـلُ غالبًـــا في ثَقافـاتٍ لا واعيـةٍ، غَيرِ مَسـؤولــةٍ عَمَّـــا سَـتؤولُ إليـهِ، تِلكُــمُ الأفعـالُ، منْ نتائجَ كارثيَّةٍ، لِبذرةٍ مَهمَا تَضاءَلتْ بِعينِ صاحبِهَا.
فَنَــراهُ يَرمــي بِسهَــامِــهِ كَبْدَ الحَقيقَــةِ،
بِأسئلةٍ إنكاريَّةٍ، أسلوبُها بلاغيٌّ لا يُقصَدُ بها طَلبَ الحصولِ علىٰ مَعلومَةٍ أو إجابَةٍ، بِقدرِ ما يَريـــدُ إظهَــارَ الإستنكَــارِ، أو النَّفــي، أو التَّعجبِ.
يَتَطلَّعُ بها لِإثباتِ.. أنَّ الأمرَ المُستفهمَ عنهُ مُستحيلٌ، أو ينكرُهُ العقلُ، أو قبيحٌ وَ غيرُ مقبولٍ عَقلاً أو شَرعًا أو عُرفًا، ليصنعَ منْ إجاباتِ المُتلَقِّي جَمهورًا مُنحازًا بِوعيٍ إليهِ، كَي يَفضحَ مُمارساتٍ غيرِ مَنطقيةٍ..
#النَّصُّ #الثَّاني...
"بيت طرزان"
كنت اريد ان اصور لاصدقائي من ابناء محلتنا، طرزان، فحدثتهم عن ابي حين سطى على منزلنا لص قذر،
فصورت لهم ان ابي في ذلك الحين كان في الحمام فتناول لباسه الداخلي على عجل وخرج من فوره الى المطبخ وخطف اكبر سكين فيه وتدلى بواحد من تلك الحبال التي تنشر والدتي الغسيل عليها..
كانوا مأخوذين فاغري افواههم وهم جميعا راحوا يتسألون وبصوت واحد:
- وهل صاح مثل طرزان؟
وما تكاد قصة البطولة تعبث بخيالهم اللعين حتى جاء ذلك اليوم الاسود الذي حمل ذلك المساء المظلم والحزين والذي سمعت فيه الاولاد وهم يرشدون رجلاً يترنح في مشيته!
ربما كان نتيجة دوران الارض حول نفسها ..كما قال لنا الاستاذ سلمان داود معلم العلوم ..
وكان الأولاد يتغامزون ويتضاحكون ويتهامسون :
- هذا بيتكم.. عمو .. هذا بيت طرزان!!!!
وهكذا ترون.. كيف يحطم الآباء اجمل قصص فلذات اكبادهم!!
نتيجة هذا الدوران الارعن والمتهور للأرض حول الشمس..او..القمر .....او..)
(الكاتب/ علي حداد)
#قَراءَةُ #النَّصِّ ــ
"وَ أنَا أقرَأُ نَصَّ(بيت طرزان) خطرَ في بالي مَثَلٌ قَديمٌ مَفادَهُ:-
(الآباءُ يَأكلُونَ الحِصْرِمَ وَ الأبناءُ يُضَرِّسُونَ!).
إذْ إنَّهُ يُضرَبُ لِلتَعبيرِ عنْ تَحمُّـــلِ الأبنــاءِ تَبعاتِ وَ نتائجَ أفعالِ وَ سلوكيَّاتِ آبائهِــم،
وَ يَدفعونَ ثمنَ أخطاءِهِم."
العَودةُ إلىٰ النَّصِّ.
مَنظومَةُ الإسرَةِ، الأبويَّةِ تَحديدًا، تَتَّسمُ بِالاسْتبدادِ في العَلاقاتِ بينِ أفرادِها، لِظروفٍ خاصَّةٍ بهَا، ممَّا يفتحُ أبوابَ الفُوضَىٰ لِتَعصفَ رياحُ التَّمرُّدِ بِثوابتِها الماديَّةِ وَ المعنويَّةِ، وَ يجعُلها عِرضَةً لِلتَندُّرِ وَ الإستهزاءِ طالَمَا لا نَجِدُ مَنْ يُبادرُ إلىٰ رَصِّ الصُّفوفِ وَ بَعثِ رُوحٍ مُتَخفِّي وراءَ تُرَّهاتِ سلُوكٍ غَيرِ مُنضبِطٍ.
ذٰلكَ.. يُؤسِّسُ لاحِقًا عَلاقاتٍ فَوضويَّةٍ بينَ الأبناءِ، تَكادُ تُضيِّقُ الخِناقَ عليهِم. بِالمقابلِ.. عندَمَا تَتوافرُ شرُوطُ التَّمرُّدِ علىٰ أُطُرٍ وَاهيَةٍ، تَزدادُ جَذْوَةُ الثَّورةِ علىٰ الوَاقعِ.
هٰذا المشهدُ المِيلودرامي تَصرَّفَ به الإبنُ بِطريقَةٍ مبالَغٌ فيهَـا، مُثيرةٌ،
وَ مُصمَّمَةٌ لِجذبِ مَشاعر الأولادِ بِقوَّةٍ
في أَثناءِ التَّركيزِ علىٰ قَضايا عائليَّةٍ، بِوصفِ حركاتِ وَالدهِ ( بالرعونة و التهور)، حَتَّىٰ لَعبَ بِمشاعرِهِم، وَ جَعلهُم ( يتغامزون ويتضاحكون ويتهامسون) النَّصُّ
#النَّصُّ #الثَّالثُ..
" دُوْخَة ..وَ عباس المِتْوهِم"
كان كل عشقه وكل امانيه وجل أحلامه قد تحقق حين تزوج بها ..اسمها "دُوْخَة" ..طويلة ومشرقة تضيء وجهها عينان سوداوان لامعتان وإذا سمعت ضحكة أخاذة وصوتا عذبا يقول شعرا.. فدوخة من سمعت ..وكانت مشيتها مليئة بالرخاء والدلال والترف..وكانت تجلس منتصبة القامة حتى وهي ترعى الابل والغنم وكانت ابتسامتها حين تراها تسرُّالناظر اليها..وهي من اجمل المدخنات كأنما تعيش الحميمية حتى مع سكارتها التي تطيل في تدخينها ، ودخانها كأنه يمشي نحو السماء بغنج وروية .
"عباس" كان مبهورا بها .. بهذه الدُّوخَة كلها.... برقتها..وطريقة اكلها وشربها ومشيتها وتنقلها من مكان الى آخر بخفة فراشة بيضاء..وخوفها من المطر والرعد حيّر عباس زوجها ...اذ يراها تستكين الى حبس انفاسها في زاوية الغرفة وتقرفص مع رعبها بصمت وانت لاترى سوى دخان سيكارتها وهو يمشي الهوينا، ولا تخرج من البيت ابدا ..تجلس القرفصاء ويركبها رعب عجيب حيَّر عباس كثيرا ومازال.. لايعرف سر خوفها ورعبها من الرعد والبرق ..فشلل تام يحتل جسدها تفقد فيه القدرة على التفكير. وفي ليلة ظلماء ماطرة يشوبها برد ورعد وبرق رأى عباس سارق ألابل الملثم وقد مضى عليه سنين يَجِدُّفي أثره فتقدم من خلفه خلسة وضربه على رأسه فأرداه قتيلا.. وإذ به قد قتل حبيبة عمره ....دُوْخَة !
حين ذاك اطلقوا عليه "عباس المتوهم"
فراح المسكين يتزوج ويطلق ,ووو .خمس نساء وفي النهاية اضحى عازبا حزينا بعد ان تعب في البحث عن إمراة تشبه دوخته....
ذات غروب نقي وهاج إلتقى والدة دوخة التي رأت في عينيه دموع حائرة لا تقبل ان تنزل فحظنته واجلسته على مقربة منها :
- مالذي صرت اليه ياعباس ألاتهدأ؟ دوخة الان مع اسلافها ،طير الياقوت راح ياولدي ,فأهجع الى سكينتك!
بكى مثل يتيم حطمه اليتم والحزن والقهر.
- كانت السماء تزخر بمطر ورعد وهي تخاف من كل هذا تقرفص في زاوية غرفتها وتدخن.. لماذا خرجت ساعتها واشعلت الحرائق في روحي؟ ..وهذه النار لاتطفئها الا ابنتك يا خالة ..و لم اجد من يشبهها ابدا خبرينى بالله عليك من أين جئت بها؟
دفن راسه في حظنها متوجعا وراحت تربت على ظهره كأنما تهدهد له مثل طفل تريده أن ينام ولم تطفىء سيكارتها بل اخذت منها نفسا طويلا شق صدرها وهي تمسح وجهه المعروق :
- ولدي عباس دوخة لو بحثت في مشارق الارض ومغاربها لم ولن تجد مثيلا لها , فحين حملت بها لم اتنفس هواء المدينة ولم آكل لحمها ولاطيبها ‘ واكلت من زرع الارض وثمار الاشجار وتمر النخيل ولم اشرب الا من لبن الماعز والأبل وفي الحمل لم احزن ولم تؤرقني الهموم والدنيا لم تسع فرحتي بها .. وحين ولدتها هنا على هذه الارض بين إبلي وخرافي وزرعي وأشجاري ..حملت دوخة في جسدها رائحة الارض والزرع واللبن والتمر وتعلمت من الطيور المشي ومن الفراشات حسن التنقل من هنا الى هناك ..فلا تتعب نفسك يا عباس ...
حينذاك.. كفَّعباس المتوهم عن البحث عن دوخة اخرى وقبل بدوخة
زمانه.. ودوخة حكومته المعممة
بالأسى والشقاء!
( الكاتب/ علي حداد)
#قَراءَةُ #النَّصِّ-
الوَهمُ مَرضٌ نَفسيٌّ، وَ يُعَرَّفُ أيضًا بـ (الذُّهان)!
يَتمثَّلُ بِعدمِ قدرَةِ الإنسانِ علىٰ التَّمييزِ بينَ الواقعِ، وَ ما يَتخيلُهُ، فَيَصِرُّ علىٰ أفكارٍ وَ إعتقاداتٍ غَيرِ صَحيحَةٍ، وَ غيرِ واقعيَّةٍ.
يَتصرَّفُ ــ هٰذَا الٕانسـانُ المُتَوهِّــمُ ــ بِشكلٍ طَبيعيٍّ غالِبًــــا، وَ بِحسبِ شعُــورِهِ وَأوهـامِهِ، كَهوَسِ الحُبِّ وَ العِشقِ، فَلا يَبدُو عليهِ المَرضُ، بَيْدَ أنَّهُ يُعاني منْ لَوعَةِ حُبِّ شَخـصٍ آخَــرَ، علىٰ عَلاقــةٍ بـهِ، فَيَـأخِـذُهُ شعُورُهُ بَعيدًا، حَتَّىٰ يَصلَ بهِ إلىٰ مُطاردَةِ شَبحِ ذٰلكَ "المَحبوبِ" الوَهْمِ، وَ هوَ انْفصالٌ غيرُ طَبيعيٍّ عَنِ الحَياةِ!
(تَوَهَّمتُ خَيراً في الزَمانِ وَأَهلِهِ
وَكانَ خَيالاً لا يَصِحُّ التَوَهُّمُ)* المَعَـرِّي
شُعورُ الٕانسانِ أو إقرارُهُ بِالخُذلانِ أو العجزِ.. يُحقِّقُ لهُ مُنتهَىٰ الحُريَّةِ!
فَيرتَقي إلىٰ " الوَهمِ "؛ كَونَهُ أكثرَ رِفعَةً مِنَ " الحُلمِ "، وَ أنقَىٰ مِنهُ..
لأنَّ الحُلمَ شاعَ بينَ الجَّميعِ، وَ ابْتُذِلَ، بَلْ لمْ يَعُدْ فَضْلَةٌ لِلمُحتملِ وَ بَقيَّةٌ لِلمُمكنِ، فَلا بُدَّ منْ هَجرِ الأحلامِ، وَ لا يُعوَّلُ عَليها في لَذَّةِ الحُريَّةِ المَنشُودَةِ.
هُنَـا.. اصْطَنعَ المُتَوَهِّـمُ (عَبَّاس) وَهْمَهُ عِندَما تَوغَّلَ في إنسانيَّتِهِ الَّتي مَا انْفكَّتْ تَسيرُ معهُ، وَ ذٰلكَ.. بِاصطِناعِ تَقْنيَةِ المِرآةِ العَـاكسَــةِ، مُتَّخِـــذًا الشَّبيــهَ الآخرَ (دُوْخَه) مُـؤنِسًــا وَ مُحــاورًا، يَسْـتَدِرُّ مَعَـــهُ غِيُـومَ الذِّكرياتِ كَي يُنَفِّسَ مَـا بِداخلِهِ!
#أخِيـــــــــــرًا
القَصديَّةُ بِالرَّفضِ الصَّارخِ يَقودُ إلىٰ هَدفٍ وَاضحٍ يَنالُهُ الكـاتِبُ وَ هــوَ يُؤطِّــرُ
بِكلماتِهِ وَقائعَ تَحصلُ في الحَياةِ.
وَ رَفضُ الحَيفِ لا يَجرُؤ عَليهِ كُلُّ مَنْ هَبَّ وَ دَبَّ، إنَّمَـا يَحتاجُ إلىٰ أدواتٍ وَ أساليبَ تَتفقُ معَ البيئَةِ، في وَقتٍ مَناسبٍ، وَ معَ كَمِّ وَ نَوعِ المُستهدَفينَ، وَ أَحسَبُ أنَّ كاتِبَ النصُوصِ الَّتي تَوَلَّيْنَـا ــ بِتَواضِعٍ ـ قَرَاءَتَهَا قَدْ أبدَعَ فيها.
وَ لَعَمْرِي هٰذَا يَعْتَمَدُ علىٰ إمْكاناتِ المُبدِعِ، وَ كَيفيَّةِ الوقَوفِ بِوجهِ الإستبدادِ، وَ تَوظيفِ تَمرُّدِهِ بَالفكرَةِ وَ اللُّغَــةِ السَّهلةِ حينَما يُخاطِبُ المُتلقِّي، بِخِطابٍ قَلَّمَا نَجِدُ مَثيلًا لهُ، في المَنشُوراتِ لأسبابٍ كَثيرةٍ.
أُقَدِّرُ للإستاذِ المُبدعِ " علي حداد"
اِسلُوبَـهُ التَّهكُّمي أحيانًا، وَ السَّاخِرِ
في أحيانٍ أُخرَىٰ، مُخْتَتَمًــا سَـردَهُ
القَصَـصـي بِنهَاياتٍ تُثيرُ السُّخريَـةَ
وَ الضِّحكِ المُـرِّ بِاسْتعمَــالِ آليَّــاتٍ
جَريئَــةٍ في نُصُوصِــهِ..
مَعَ اَطيبِ التَّحيَّاتِ
(صاحِب ساجِت/العِرَاق)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire