samedi 2 mai 2026

" الفسقبوك "...!!! *** بقلم الكاتب : زياد أبو صالح

" الفسقبوك "...!!!

                       بقلم : زياد أبو صالح  / فلسطين 🇵🇸  

     في البلدة الصغيرة التي تحفظ أسرار أهلها كما تحفظ أسماءهم، عاش "صابر" رجلاً عادياً بين الناس. عرفه الجميع أباً مجتهداً، أفنى عمره في العمل والتعب حتى بنى بيتاً واسعاً، وربّى أبناءه وبناته على ما استطاع من خلق ودين، وكانت زوجته سنداً حقيقياً له؛ تقف إلى جانبه في الشدة قبل الرخاء، وتصبر على ضيق الحال كما تصبر على قسوة الأيام.
     مرت السنوات سريعاً، حتى شاب رأسه، وكبر أولاده، وزوّجهم واحداً تلو الآخر، وظن الناس أن الرجل بلغ من العمر والحكمة ما يكفي ليعيش ما تبقى له من أيام بهدوء ووقار. لكن النفس البشرية حين تضعف، قد تهوي بصاحبها إلى أماكن لم يكن يتخيل يوماً أنه سيصل إليها.
     في تلك المرحلة من عمره، تعلّق قلب "صابر" بفتاة من جيرانه، تصغره بعشرات السنين، بل كانت في عمر بناته تقريباً. لم يكن أصل فكرة الزواج هو المشكلة، فالله سبحانه أحلّ الزواج، لكن المصيبة كانت في الطريقة التي اختارها الرجل للوصول إلى ما يريد. بدلاً من أن يسلك الطريق الواضح، وأن يطرق باب أهل الفتاة بما يرضي الله والناس، انجرف خلف أوهام مواقع التواصل، حيث تختلط الخرافة بالدجل، ويختبئ المحتالون خلف شاشات الهواتف بأسماء براقة وكلمات منمقة.
     تعرف "صابر" عبر "الفيسبوك" على امرأة تدّعي أنها "شيخة روحانية"، تنشر صور البخور والطلاسم، وتوهم الناس بأنها تملك مفاتيح القلوب، وتستطيع أن تجعل البعيد قريباً، والكاره محباً، والعاصي مطيعاً. دخل إليها بقلب ضعيف وعقل غائب، يشكو لها تعلّقه بالفتاة، ويطلب منها أن تعمل لها "حجاب محبة".
     رحبت به المرأة كما يرحب الصياد بفريسته، وأظهرت له اهتماماً كبيراً، ثم بدأت تطلب التفاصيل: اسم الفتاة، صورتها، رقم هاتفها، اسم والدتها، ثم مبلغاً من المال لشراء "بخور خاص" و"أعمال روحانية" كما زعمت.
كان "صابر" يصدق كل كلمة يسمعها، كالغريق الذي يتعلق بقشة. أرسل المال فوراً، وانتظر الوهم الذي وعدته به.
     ومع مرور الأيام، أصبحت تلك المرأة تتحكم به شيئاً فشيئاً. تطلب المزيد من المعلومات، المزيد من الصور، المزيد من الأسماء، ثم المزيد من المال. وحين حاول التردد أو التوقف، كشّرت عن وجهها الحقيقي. بدأت تهدده بفضحه أمام أهل الفتاة. قالت له ببرود: "إذا لم تدفع، سأخبر أهلها بكل شيء."
    ارتعد قلب الرجل. لم يكن يخاف على نفسه فقط، بل خاف من كلام الناس، ومن نظرات أولاده، ومن انكسار زوجته التي عاشت معه العمر كله. صار يستجيب لكل طلباتها مذعوراً، يرسل المال بصمت، ويعيش بقية يومه قلقاً كالمطارد. حتى راتبه لم يعد يكفيها، فباع بعض ما يملك، ثم اقترض، ثم لم يبق أمامه إلا باب واحد لم يتخيل يوماً أنه سيطرقه.
     في ليلة ثقيلة، وبينما كانت زوجته نائمة بعد يوم طويل من التعب، فتح خزانتها بيد مرتجفة، وأخذ مصاغها الذهبي الذي جمعته قطعة قطعة على مدار سنوات الزواج.
كان يشعر وهو يسرقه كأنه يسرق عمرها كله، لا مجرد ذهب. أرسل الذهب لتلك المرأة، متوسلاً أن تتركه وشأنه.
     لكن الجشع لا يشبع. كانت تقول له دائماً: "كيف ترضى لنفسك أن تلاحق بنات الناس؟"
     ثم تعود لتطالبه بالمال نفسه الذي كانت تأخذه مقابل استمرار ذلك الحرام. حتى جاء اليوم الذي أدركت فيه أنه لم يعد يملك شيئاً. عندها اختفت فجأة، كما تختفي الأفاعي بعد أن تفرغ سمّها.
     وبقي "صابر" وحيداً أمام خراب عمره.
     اكتشفت زوجته اختفاء ذهبها، وحين واجهته، انهار باكياً، واعترف بكل شيء؛ اعترف بضعفه، وخوفه، وسقوطه في مستنقع الابتزاز والخداع. كانت تتوقع كل شيء إلا هذا الاعتراف. صمتت طويلاً، ثم نظرت إليه بعينين أنهكهما العمر، وقالت بحزن: "لو أنك خفت الله منذ البداية، لما وصلت إلى هنا."ومع ذلك، سامحته.سامحته لا لأن ما فعله بسيط، بل لأن القلوب الكبيرة أحياناً تختار ستر البيوت بدل هدمها. طلبت منه أن يبدأ من جديد، وأن يبتعد عن أوهام الدجالين، وأن يتوب إلى الله قبل أن يضيع ما تبقى من عمره.
     لكن الحياة لم تمهله كثيراً. بعد مدة قصيرة، بدأت ذاكرته تضعف شيئاً فشيئاً، حتى أصيب بمرض الزهايمر. تحول الرجل الذي كان يملأ البيت حركة وصوتاً إلى جسد تائه، يدور في شوارع بلدته بعينين ضائعتين، لا يكاد يعرف طريق بيته. صار الأطفال يضحكون عليه، وبعض الكبار يرمقونه بشفقة، وآخرون يتصدقون عليه وهم لا يعلمون كيف أوصله ضعفه إلى تلك النهاية المؤلمة. وفي عصر يوم حزين، حاول "صابر" عبور الشارع القريب من منزله، فصدمته مركبة مسرعة، وسقط على الأرض بلا حراك.
نُقل إلى المشفى بين الحياة والموت، لكن جسده المتعب لم يحتمل كثيراً. وفي المساء، أعلن خبر وفاته. رحل "صابر"، وبقيت حكايته تتردد بين الناس، لا كقصة رجل أحب، بل كقصة إنسان هزمه ضعف نفسه، فسقط في شباك الوهم والابتزاز، حتى خسر ماله وكرامته وطمأنينة بيته.
وهكذا، لا تبدأ الكوارث دائماً بخطيئة كبيرة، بل قد تبدأ برسالة صغيرة خلف شاشة هاتف، ثم تتسع حتى تبتلع عمراً كاملاً.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire