samedi 16 mai 2026

بقلم الأديب : حميد النكادي

اللعب على وعود من ورق...

(أشد الاوجاع ضراوة هي ان تمنح  الشعوب الطموحة وعودا من دخان..)

بقلم : حميد النكادي...

انتزعْ يا مُنتخَبُ
لقمةَ العيشِ من أفواهِ الفقراء
فحينما اختاروكَ
ما خطرَ ببالِ أحدٍ
أنكَ ستكون كالحرباءِ
تُغيّرُ جلدَكَ ألفَ مرّة
من الصباحِ إلى المساءِ...
نلتَ القُبّةَ فوقَ أكتافٍ
أضناها الانتظارُ وطولُ الانحناءِ
وها أنتَ تُخلفُ الوعودَ
بعدما رسمتَها ورودًا حمراء
ألا تخافُ يومًا يُقتصُّ فيه
للشاةِ الجلحاءِ من القرناء؟
أم أنك بلا ضمير 
تبيع وتشتري 
في سوق البشرية بدون حياء..?
من منكم يشمر على ساعديه 
يغير وضعنا من سجن  مظلم 
الى سماء ساسعة زرقاء.؟
يحيي الأمل فينا بعد أن 
شلت أفقنا طفيليات 
دمرتها كما يدمر الاجسام الوباء...
فرنسا 16/05/2025

هذا النص، على إيجازه، يحمل شحنة غضب بنيوية تفكك العلاقة الجدلية بين "الناخب" (الشعب المطحون) و**"المنتخَب" (المنفعة السياسية)**. إليك تحليلاً أعمق لطبقات النص الدلالية، والرمزية، والأسلوبية:

​1. تفكيك العناوين والمقدمة: سيكولوجية الوهم

​يبدأ الكاتب بمقدمة نثرية مكثفة تلخص فلسفة الخديعة: "وعود من ورق... وعود من دخان".

​الورق: يرمز إلى البيروقراطية، البرامج الانتخابية المكتوبة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والعهود الزائلة.

​الدخان: يرمز إلى التلاشي، الحجب (حجب الرؤية عن الواقع)، والاختناق. الشاعر يرى أن إعطاء الأمل لشعوب طموحة ثم سحبه منها هو "أشد الأوجاع ضراوة"؛ لأن قتل الأمل أشد فتكاً من الحرمان الأصيل.

​2. ثنائية (الجسد والتحول) في النص

​تتحرك القصيدة عبر تقابل حاد بين جسدين:

​جسد الشعب المنهك: المتمثل في "أفواه الفقراء"، "الأكتاف التي أضناها الانتظار"، و"طول الانحناء". إنه جسد مادي يعاني الجوع والتعب الفيزيائي.

​جسد المنتخَب الحربائي: الذي "يغير جلده ألف مرة". التحول هنا ليس تحولاً فكرياً، بل هو تحول نفعي (انتهازي) يتلوّن بحسب الإضاءة السياسية والمصلحة الشخصية.

​مفارقة الوصول: "نلتَ القُبّةَ فوقَ أكتافٍ أضناها الانتظار". هنا تصوير بارع لـ "قبة البرلمان" كعبء ثقيل يربض فوق ظروف الفقراء، فالأكتاف التي انحنت لترفع هذا السياسي إلى الأعلى، هي نفسها الأكتاف التي داس عليها ليتجاوزها.

​3. المرجعية التراثية والبعد الأخلاقي

​استدعاء الشاعر للحديث النبوي الشريف برمزية (الشاة الجلحاء من القرناء) ينقل الصراع من صراع سياسي دنيوي مؤقت إلى محاكمة وجودية وأخلاقية.

​هذا الاستدعاء ينم عن عجز واقعي عن التغيير في "هنا والآن"، فيتحول النص إلى التهديد بالعدالة المطلقة (الميتافيزيقية).

​إنه أسلوب لكسر غرور السياسي المستتر وراء حصانته، بتذكيره أن هذه الحصانة ستسقط في يوم يُقتص فيه حتى للحيوان الأعزل (الجلحاء) ممن يملك عناصر القوة (القرناء).

​4. بنية الختام: من السجن إلى السماء (جدلية اليأس والرجاء)

​ينتقل القسم الأخير من القصيدة من خطابات التوبيخ للسياسي، إلى التساؤل الاستنهاضي الموجه للداخل الإنساني: "من منكم يشمر على ساعديه؟"

​وفي هذا الجزء نلحظ مفارقتين بيئيتين:

​السجن المظلم في مقابل السماء الزرقاء الشاسعة: وهو تصوير لحالة الحصار النفسي والاقتصادي التي تعيشها الشعوب، وتوقها للانعتاق والحرية.

​الطفيليات والوباء: ينهي الشاعر نصّه بتشخيص دقيق للفساد؛ فهو لا يراه مجرد "أخطاء سياسية"، بل يراه "طفيليات" و"وباء" يشل الأفق ويدمر الأجسام. الفساد هنا مرض بيولوجي يلتهم مقدرات الوطن.

​خلاصة التحليل

​قصيدة حميد النكادي هي نص من نصوص "أدب الاحتجاج". تميزت بقدرتها على الربط بين اليومي والمعاش (لقمة العيش، البرلمان) وبين الكوني والأخلاقي (الضمير، القصاص، الحرية). النص لا يبحث عن حلول تشريعية، بل يجلد واقعاً انمحت فيه الحدود بين التجارة بالبشر والعمل السياسي.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire