lundi 11 mai 2026

بقلم الأستاذ: فتحي مصباحي

ليست كلُّ القلوبِ تُقابِلُ الصدقَ بما يليقُ به و لا كلُّ القُربِ يُثمِرُ ودًّا كما نظنّ. ففي دروبِ العلاقاتِ قد نُعطي بصدقٍ و نرعى بحبٍّ و نرفعُ من نُحبّ ثم لا نجدُ سوى الجفاءِ و الخذلان. و أبيات هذه القصيدةُ ليست شكوى بقدرِ ما هي بوحٌ ناضج يكشفُ عن مفارقةٍ موجعة: أنَّ بعضَ الناسِ لا يُدركون قيمةَ من أحبّهم بصدقٍ إلا حين يفقدونه. إنها مرآةٌ لتجربةٍ إنسانيةٍ تتكرّر،  و دعوةٌ صامتةٌ لحفظِ الودّ قبل أن يصيرَ الغيابُ هو المُعلِّم الأخير.

« أنا الذي لا يُعرَف إلا حين يُفتقد »

دنوتُ منهمْ ظانًّا القربَ يُؤنِسُني
فزادوا جفائي و كاد القلبُ يَنتَكِسُ
راعيتُ إحساسَهمْ شوقًا و مَغفِرَةً
فكان الجوابُ جراحًا ليس تندملُ
رفعتُ مقاماتِهمْ فوقَ الذي طَلَبوا
فصاروا يرونَ الذي قد كانَ يَنتَقِصُ
أخلصتُ في الوصلِ لا غدرٌ و لا ريَبٌ
فخانوا و وجهي من الآهاتِ يَلتَمِسُ
إذا زادَ إحساني زادوا مُواجِعَهمْ
كأنّ في طِيبتي بابًا لمن يَفترِسُ
و إن صُنتُ عهدًا رأيتُ العهدَ مُنتهَكًا
و إن صُنتُ ودًّا رأيتُ الودَّ يَندَرِسُ
عجبتُ لقلبٍ يُداويهمْ فيَكسِرُوهُ
يسقيهمُ حبَّهُ و الحبُّ يَحتَبِسُ
فقلتُ: كفى إنّ في الصمتِ الذي استقرّتْ
به الروحُ، بعضُ دواءِ الجرحِ يَختَلِسُ
سأمضي و في صدريَ الإيمانُ يَحفَظُني
بأنّ قدرَ الوفيِّ الصدقُ لا اليَأَسُ
و أنّ الذينَ جفَوا يومًا إذا انقلبوا
سيعرفونَ الذي ضاعوا و ما خَسِروا
إذا غابَ صدقي عن أعينِهمُ زمنًا
سيُبصِرونَ و لكنْ بعدَ ما يَئِسوا
فلا تُسرفوا في جفاءِ الصدقِ إنّ لهُ
يومًا يُطالِبُ الأرواحَ ما حَبَسوا
أنا من حفظتُ الودادَ رغمَ قَسوَتِهمْ
و هم من أضاعوا و في الإضياعِ يَنتَكِسوا
سأبقى كريمَ الشعورِ الحرِّ معتدلًا
و إن جَفَوني، فقلبي لا يُجحَفُ
سيعلمونَ إذا ما فاتَهمْ زمَني
أنّي أَعْطَيْتُهُمْ و القلبُ لا يَنتقِصُ
و لو جفَوا فما في القلبِ يَتَأثرُ
و يظلُّ في الصدرِ معنى الودِّ مُحتبِسُ

بقلم الأستاذ: فتحي مصباحي/ تونس

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire