dimanche 24 mai 2026

رباعية العبور *** 🖋 الشاعر طاهر عرابي

رباعية العبور

رباعيةٌ شعريةٌ كتبتُها في جزيرةِ مينوركا، الواقعةِ في البحرِ الأبيضِ المتوسّط.
افتتحتُها بقصيدة «زوبعةٌ معلّقة» وأنا في الطائرة،
ثم على كتفِ بحيرةٍ انفصلتْ عن البحر كتبتُ «أثرُ البحر»،
ومع اشتدادِ الحسرة كتبتُ «جذرٌ غائب»،
واختتمتُها بقصيدة «تاريخُ العبور».

كنتُ أجلسُ على الشاطئ هناك، كأنني في يافا، فيما الحسرة لا تهدأ.
وبوصفي مواطنًا ألمانيًا، لا فلسطينيًا مشرّدًا، عدتُ في الذاكرة إلى يافا التي زرتها، وزرتُ حيفا وعكا والناصرة، وقرية صفورية، مسقط رأس أمي وأبي وإخوتي، ثم مررتُ إلى طبريا والقدس في عام ١٩٩٤.
من مخيمٍ في دمشق إلى ألمانيا، ومن ألمانيا إلى فلسطين، ثم العودة إلى ألمانيا.
رحلةُ البحث والواجب.
كان البحرُ يمتدّ كذاكرةٍ مفتوحة، وكانت الأرضُ تُستعادُ لحظةً ثم تنسحب.
وقلتُ لنفسي: هذا الوطنُ الفلسطيني لي، وهذا البحرُ لي أيضًا.
يقولون: لن تعود،
وأقول: أنا عودةُ المقدّس.

---

«تاريخ العبور»

طاهر عرابي — مينوركا 24.05.2026

على الشاطئِ رملٌ رماديٌّ
هربَ من حزنِ البراكين،
وترسّبَ كأنّهُ يقفلُ بابَ الرجاءِ.
وحدهُ لم يجدْ في زبدِ الموجِ كيانًا يؤاخيه،
فمالَ إلى صمتهِ لا يتحلّل.

لا أحدَ يعلمُ
كم مرَّ على فجيعةِ الماء
حين تمزّقَ بدخانٍ أسود،
ولا كيف ظلَّ البركانُ يهدرُ في ذاكرةِ الغياب.

لا وقتَ لتداركِ الخطيئة،
والماءُ مالحٌ كندبةٍ قديمة،
ولا ظلَّ لبركانٍ انطفأَ من فرطِ اشتعاله.

بركانٌ لم ينتظرْهُ أحد،
أشعلَ نفسهُ ثم اختنق.

نامَ الرملُ
كأنّهُ تعبُ القرونِ الأولى،
تخشاهُ الريحُ، وتمتدحُ الشمسُ بقاءه.
لن يعوّضهُ النسيانُ
مهما ادّعى أنّهُ ينسى، كمولودٍ بلا ذاكرة.

العابرون إلى الميلاد
أضعفُ من أن يُنجبوا أثرًا؛
ليس لهم سوى أثرٍ لقافلةٍ
أنجبها الرحيلُ،
ولن تستقرَّ في شكلِها المضطرب،
فالرحيلُ كان حلمًا لمغامر.

صخبُ ضحكاتِ نساءٍ مررنَ،
يدهنَّ أجسادهنَّ بزيتٍ عطريٍّ
ليحميهنَّ من انطفاءِ البهجة.
غابوا قليلًا…
وخشي الماءُ أن يهيجَ البركان.

خرجنَ من الضوء
يقطرنَ ماءً مسروقًا من الموج،
والبركانُ لا يعرفُ كيف يموتُ مرّتين.

استنفرَ الرملُ،
لكنّهُ أحبَّ بصماتِ الأقدام.
استلقى تحتها
كأنّهُ يعثرُ على معنى لمسِ الجلد.

على شاطئِ البحر
تجمّعَ صمتُ الأسماك،
والنساءُ يمررنَ كأنّهنَّ أثرُ عطرٍ لا يُمسك.

كيفَ ننجو
إن ضاعَ العطرُ الزيتي؟

السمكُ وحدهُ
كان يلتقطُ ما تبقّى منهُ في الماء،
ويهمسُ في غلاصمهِ:

هذا عبورُهنّ…
ولا يضيعُ ما شهدناه،
فالرملُ الذي حفظَ خطاهنَّ
هو نفسهُ
الذي أبقى للجمالِ طريقًا إلى الظهور.

وهذا الرجلُ الجالسُ هنا،
كان أبوه يجلسُ في يافا، وكنا نراه.
افتحوا وجهَ الماء… ليعبر.

مينوركا- طاهر عرابي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire