""بين نظرتين""
في مجتمعات تحاكم الإنسان قبل أن تسمع
حكايته تصبح المرأة أحيانا مطالبة بالدفاع
عن قدرها وكأنها إرتكبت ذنبا لأنها عاشت
تجربة لم تكتمل.
فالأرملة حين تقول:
"أنا لست مطلقة... لقد مات زوجي"
لا تنطق مجرد حقيقة، بل تحاول أن تحتمي
من محكمة إجتماعية خفية، تعلم جيدا أن الناس
يفرقون بين امرأة فقدت زوجها بالموت
وامرأة فقدته بالخذلان أو الإنفصال.
هي لا تبرر فقط... بل تدافع عن صورةٍ
يريد المجتمع أن يلوثها إن إستطاع.
وفي أعماقها شيء من الفخر الحزين
فالرجل الذي غاب عنها لم يتركها بإرادته
بل إختطفه القدر منها، ولذلك ترى في نفسها
ضحية فقد لا ضحية رفض.
أما المطلقة، فتقف في الجهة الأخرى من الألم
تحمل على كتفيها أسئلة الناس ونظراتهم الثقيلة.
تقول: "لم يحالفني الحظ"
وكأنها تحاول تخفيف قسوة الحقيقة
لأن الإعتراف الكامل بما حدث قد يفتح أبوابا
من الشماتة والتأويل والفضول المريض.
ففي نظر البعض، لا يبحث المجتمع
عن سبب الطلاق بقدر ما يبحث عن مذنب.
والمذنب الجاهز غالبا هو المرأة.
الأولى يقال عنها: "مسكينة."
والثانية يقال عنها: "أكيد فيها شيء."
وهكذا يكشف المجتمع تناقضه الأخلاقي
فهو لا يرى الألم نفسه، بل ينظر إلى الطريقة
التي حدث بها الألم.
لكن الحقيقة الأعمق أن الأرملة والمطلقة
قد تجلسان ليلا تحت سقف الحزن ذاته.
كلتاهما فقدت شريكا، وكلتاهما تواجه الوحدة
وكلتاهما تخاف المستقبل، وكلتاهما تحتاج
كلمة رحمة لا جلسة تحقيق.
غير أن المجتمع، بدل أن يكون مأوى للمنكسرين
يتحول أحيانا إلى سوق للأحكام.
فيه المنافق الذي يتظاهر بالتعاطف وهو يستمتع
بالخوض في التفاصيل، وفيه النمام الذي يعيش
على نقل الحكايات وكأن آلام الناس وسيلة ترفيه
وفيه من يلبس ثوب الأخلاق بينما قلبه
مزدحم بالقسوة.
إن أكثر ما يتعب الإنسان ليس المصيبة نفسها
بل إضطراره لتبريرها أمام الآخرين.
وكأن الحياة لا تكفيه إمتحانا حتى يضاف
إليها إمتحان نظرات البشر.
لهذا، فالمشكلة ليست في الأرملة
ولا في المطلقة، بل في مجتمعٍ ما زال يقيس
قيمة الإنسان بما حدث له، لا بما هو عليه.
بقلم: العازف على آوتار الزمن.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire