samedi 2 mai 2026

صباح حزين *** 🖋 الكاتب محمد الدراجي

صَبَاحٌ حَزِينٌ
كانَ كلَّ صباحٍ، وهوَ خارجٌ إلى عملِهِ، يمرُّ برجلٍ كبيرِ السِّنِّ يجلسُ أمامَ بابِ دارِهِ. كانَ هادئًا، قليلَ الكلامِ، لا يعرفُ مِن الدنيا إلَّا مقعدَهُ الخشبيَّ وسيجارةً لا تُفارِقُ أصابعَهُ. يُلقي عليهِ السلامَ، فيردُّ بابتسامةٍ مُتعَبةٍ، ثمَّ يعودُ إلى تأمُّلِ الشارعِ ودخانِ سيجارتِهِ المتصاعدِ، كأنَّهُ يُراقِبُ عمرَهُ وهوَ يتلاشى في الهواءِ. وكانت عيناهُ شاخصتينِ إلى المارَّةِ، لا كأنَّهُ ينظرُ إليهم، بل كأنَّهُ يفتِّشُ في وجوهِهم عن زمنٍ مضى ولن يعودَ.
لم يكنْ بينهما حديثٌ طويلٌ، ولا علاقةٌ تتجاوزُ تحيَّةً عابرةً، لكنَّ تكرارَ المشهدِ جعلَهُ جزءًا مِن يومِهِ، حتّى صارَ إذا لم يَرَهُ يشعرُ أنَّ شيئًا ينقصُهُ في الطريقِ، وكأنَّ الشارعَ نفسَهُ فقدَ أحدَ معالمِهِ القديمةِ.
وفي صباحٍ حزينٍ، مرَّ مِن هناكَ، فإذا بالصمتِ يسبقُهُ إلى المكانِ. لم يَرَ الرجلَ على مقعدِهِ، ولم يجدْ أثرَ دخانِ سيجارتِهِ في الهواءِ. ثمَّ سمعَ صوتَ بكاءٍ يخرجُ مِن داخلِ البيتِ، بكاءً متقطِّعًا كأنَّهُ أنينُ جدارٍ قديمٍ تصدَّعَ فجأةً. توقَّفَ، وشعرَ أنَّ المكانَ قد تبدَّلَ، وأنَّ البابَ الذي كانَ مألوفًا صارَ غريبًا.
نظرَ إلى المقعدِ الخشبيِّ الفارغِ، فبدا لهُ كأنَّهُ يتيَّمَ بعدَ صاحبِهِ، وكأنَّ السيجارةَ الأخيرةَ انطفأتْ معها حكايةُ رجلٍ كانَ يجلسُ كلَّ يومٍ على هامشِ الحياةِ يراقبُها بصمتٍ. عندها أخبرَهُ حدسُهُ أنَّ صاحبَ البيتِ قد فارقَ الحياةَ، وأنَّ الموتَ جاءَ هذهِ المرَّةَ دونَ استئذانٍ.
هزَّهُ المشهدُ، لكنَّ الحزنَ لغةٌ لا يفهمُها الجميعُ، والمصيبةُ حينَ تنزلُ تُعرَفُ ملامحُها في الوجوهِ، وتُعرَفُ أيضًا في الأشياءِ الصامتةِ؛ في المقعدِ الخالي، وفي البابِ نصفِ المفتوحِ، وفي الطريقِ الذي فقدَ شاهدًا من شواهدهِ.
وأعادَهُ ذلكَ إلى أيّامِ وفاةِ أبيهِ وأمِّهِ وأختِهِ؛ أيّامٍ شعرَ فيها أنَّ الدنيا قد أُطفِئَتْ أنوارُها في عينِهِ، وأنَّ الأشياءَ مِن حولِهِ فقدتْ أسماءَها ومعانيها. يومَ ماتَ أبوهُ، أحسَّ أنَّ السقفَ صارَ أعلى من قدرتِهِ على الاحتمالِ. ويومَ رحلتْ أمُّهُ، شعرَ أنَّ البيتَ صارَ باردًا مهما اشتعلتْ فيهِ المدافئُ. ويومَ غابتْ أختُهُ، سمعَ الضحكةَ التي كانتْ تملأُ الزوايا تنكسرُ إلى الأبدِ.
كانَ غارقًا في الحزنِ، يبحثُ عمَّن يُخفِّفُ عنهُ وطأةَ الحدثِ، لكنَّهُ كانَ يجدُ في كثيرٍ من الوجوهِ كلماتٍ جاهزةً لا دفءَ فيها. فعرفَ مع الأيّامِ أنَّ بعضَ الأحزانِ لا يواسيها إلَّا الزمنُ، ولا يفهمُها إلَّا مَن مرَّ في نفسِ الطريقِ.
ومنذُ ذلكَ الصباحِ، كلَّما مرَّ بالمكانِ، نظرَ إلى المقعدِ الخشبيِّ الفارغِ، فيُسلِّمُ في سرِّهِ على رجلٍ علَّمَهُ بصمتِهِ أنَّ الغيابَ قد يكونُ أبلغَ من الكلامِ.
محمد الدراجي
٢٠٢٦/٥/٣

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire