سفينة الخيال
في الليلة الخامسة من ليالي شاطئ الخيال، جاء المساء واقترب الليل مني، ووجدتني أشبهه كثيراً.. فأنا بداخلي أفكار لونها بلون الليل، لكنها تتحرك كالموج، وأخشى أن تتحول لطوفان في يومٍ ما وتغرق كل شيء، فأتحكم فيها بالصبر..
وأهرب منها كي لا أكون معها دائماً وحدي، فقلت لنفسي: اذهبي الليلة للشاطئ..
وعندما وصلتُ، وجدتُ رفيقي المحارب جالساً وحده وأمامه السفينة العريقة. كم هي عظيمة! تجمع بين ذكريات الماضي الجميل وبين رفاق الصبر والليل.
فألقيتُ عليه السلام، فردَّ بالسلام والابتسام، فجلستُ بجواره، فسألني عن الليالي الماضية : "لماذا لا تأتي أميرة الليل لأصدقائها؟".
فأجبته: "كنتُ غارقةً في عتمتي، واليوم قررتُ الهروب..".
فقال: "السفينة في انتظاركِ، هيا نركب". وأمسك بيدي وساعدني على الركوب.
وسألته عن الحرب، ما هي؟ فقال: "الحرب فكرة تقاتل لتبقى وترث الأرض". فقلتُ: "ومن يفنى؟". قال: "يفنى البشر أصحاب الأفكار الحربية، ويحفظ التاريخ أفكارهم وأسماءهم، والنتائج في الحاضر تتكلم عنهم".
قلتُ: "نعم، معك كل الحق، فالعتمة التي نعيش فيها اليوم نتيجة للأفكار القاتمة".
قال: "ركبنا السفينة ولا نبحر؟".
قلتُ: "هيا يا سيدي المحارب المخضرم، أغمض عينيك". فأغمض عينيه وسكت قليلاً ثم قال: "السلام عليكم يا رفاق الروح وأصحاب الأرض المقدسة، السلام عليكم من محاربٍ من أرض الكنانة وأصحاب الكرامة، لا تظنوا أننا نسيناكم، أنتم في قلوبنا، نحن لا ننسى الأرواح الطاهرة، أرض الملوك العظماء، الأرض السمراء، طيبة الحبيبة تلد كل يوم قائداً، كونوا في سلام.. خالدون".
وكان صوته قوياً وكأن الكلمات تخرج من قلبه فتهتز السفينة ويهتز البحر والكون، تأكيداً لما قاله المحارب العظيم، حفيد الأجداد العظام، وفتح عينيه.
فتبسمتُ وقلتُ: "ها هي سفينتي تأخذك حيث شئت، وتسافر لأي أرض تحلم بها".
قال: "نعم.. نعم.. وأنتِ، أغمضي هذه العيون الباسمة".
فأغمضتُ عيني، فوجدتُ نفسي في قاع المحيط أميرةً للبحار، وأجيد الغوص في الأعماق بسرعة لا أتوقعها وبحرية. إن أردتُ أظهر على السطح، وإن رآني بشر أكون في خطر..
فقلتُ: "من يسمعني؟" لا أحد يجيب.
"من يراني؟" لا أحد يجيب.
ولكن أتمنى أن يراني إنسيٌ يكون بطلاً من أبطال الماضي وأخطفه ونغوص معاً لقاع المحيط وأطعمه.. ماذا؟ البشر يأكلون الأسماك، وإن جاع سيأكلني! لا.. لا.. ابتعدي أيتها الأفكار عني، أنا أميرة البحار، سأعيش مع أميرٍ مثلي حتى لا يجوع فيأكلني.. وفتحتُ عيني.
وقال لي رفيقي المحارب: "نعم، الرجال يأكلون الأسماك". فضحكتُ وقلت له: "إذاً خوفي في محله".
وانتهت ليلتنا الجميلة، فهيا نعود.. وإلى اللقاء يا رفيقي.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire