mardi 12 mai 2026

د. عبد الرحيم الشويلي

قالَ ساخرٌ مجهول:
«لا أُصدِّقُ نفسي حتّى عندما أقولُ إنّني سأكونُ جاهزًا خلالَ خمسِ دقائق.»

قِصَّة قصيرة

خَمْسُ دَقائِقَ فَقَط...!!

كانَ صادقٌ يُؤمنُ إيمانًا راسخًا بأنَّ الزَّمنَ مخلوقٌ مطّاطيٌّ خُلِقَ خصِّيصًا لخدمتِه.
لذلكَ لم يكنْ يرى في التَّأخيرِ مشكلةً، بل سُوءَ فَهْمٍ بسيطًا بينهُ وبينَ السّاعة.
في كلِّ مرّةٍ يُسألُ:
— متى تكونُ جاهزًا؟
يُجيبُ فورًا، وبثقةِ قائدٍ عسكريٍّ يُعلنُ موعدَ النّصر:
— خلالَ خمسِ دقائق.
قالَها لخطيبتهِ يومَ عقدِ القِران، فوصلَ بعدَ حضورِ المأذونِ بساعةٍ كاملة، وكانتْ أمُّ العروسِ قد أعلنتْ ثلاثَ مرّاتٍ أنّها ستُلغي الزّواجَ حفاظًا على كرامةِ العائلة، بينما كانَ والدُ العروسِ يدورُ في الصالةِ كأنّهُ مفاوضٌ دوليٌّ فشلَتْ آخرُ جولاتِه.
وقالَها لرئيسِه في العمل:
— التّقريرُ سيكونُ على مكتبِكَ خلالَ خمسِ دقائق.
فأُحيلَ بعدها إلى لجنةِ الانضباطِ الوظيفيّ والمتابعة، وكانتِ المُحصّلةُ: عقوبةً إداريّةً “مناسبةً”… وهي الكلمةُ الوحيدةُ التي جاءتْ في موعدِها تمامًا.
حتّى أصدقاؤُه توقّفوا عن الغضبِ منه.
كانوا حينَ يتّصلونَ به يسمعونَ العبارةَ نفسها، ثمّ يُواصلونَ حياتَهم بصورةٍ طبيعيّة، كأنّهم استمعوا إلى نشرةٍ جويّةٍ قديمةٍ لا تُغيّرُ شيئًا في الطقسِ ولا في المصير.
وذاتَ مساءٍ، دُعيَ صادقٌ إلى حفلِ تكريمٍ مهمّ.
ارتدى بدلتهُ ببطءٍ مهيب، ووقفَ أمامَ المرآةِ يُعدّلُ ربطةَ عنقِه كما لو أنّهُ يستعدُّ لاستلامِ جائزةِ نوبل، ثمّ تلقّى اتصالًا:
— الجميعُ وصلوا… أينَ أنت؟
ابتسمَ بثقةٍ قاتلةٍ وقال:
— خمسُ دقائقَ فقط.
وحينَ وصلَ أخيرًا، كانتِ القاعةُ شبهَ فارغة.
العمّالُ يرفعونَ المقاعد، وعاملُ التّنظيفِ يكنسُ بقايا الحفلِ في هدوءٍ جنائزيّ، فيما كانتْ باقاتُ الوردِ الذابلةُ تبدو كأنّها شهداءُ الانتظار.
اقتربَ صادقٌ مرتبكًا من المنظّمِ وسألَه:
— هل انتهى التّكريم؟
نظرَ الرجلُ إليه طويلًا، ثمّ قالَ ببرودٍ مُتقن:
— نعم… بل انتهى المتقاعدونَ من إلقاءِ ذكرياتِهم أيضًا.
أخرجَ صادقٌ دعوةَ الحفلِ من جيبِه محاولًا التّبرير:
— لكنَّ الدّعوةَ مكتوبٌ فيها السّابعةُ مساءً!
أجابَهُ المنظّمُ مبتسمًا، وهو يُطفئُ آخرَ أنوارِ القاعة:
— صحيح… ونحنُ الآنَ في السّابعةِ وخمسِ دقائق… ولكنْ بتاريخِ الغد...!!.

بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
12.مايو.مايس.2026م.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire