قصة قصيرة
الْكِتَابَةُ عَلَى الْأَرْضِ
───
كانَ الصُّراخُ في الحارَةِ لا يُغَيِّرُ شيئاً. وَقَفَ خالِدٌ فَوقَ صُندوقٍ خَشَبيٍّ، وَصَوتُهُ مُتَهَدِّجٌ مِن كَثرَةِ الهُتافِ: «يا قَومُ، لا بُدَّ أن نَفعلَ شَيئاً!» سَمِعَ النّاسُ. هَزّوا رُؤوسَهُم. ثُمَّ مَضَوا. بَقِيَ وَحدَهُ.
عادَ إِلى زاوِيَةِ المَسجِدِ المَهجورِ حَيثُ اجتَمَعَ خَمسَةَ عَشَرَ رَجُلاً وَامرَأَةً لَيلَةَ البارِحَةِ. رائِحَةُ التُّرابِ وَالعَرَقِ القَديمِ تَملأُ المَكانَ.
قالَ بِصَوتٍ خافِتٍ، كَأَنَّهُ يَختَبِرُ الكَلامَ قَبلَ أَن يُطلِقَهُ: «نُقيمُ فَصلاً لِتَقوِيَةِ الصِّغارِ. ساعَتَينِ في الأُسبوعِ. بِلا تَصويرٍ، وَبِلا شِعاراتٍ.» ضَحِكَ سامي وَهُوَ يُسَوّي ثَوبَهُ المُمَزَّقَ: «فَصلٌ؟ وَمَن يَأتي؟ وَمَن يُدَرِّسُ؟ أَأَنتَ؟» لَم تَضحَك لَيلَى. قالَت وَهِيَ تَشُدُّ طَرحَتَها عَلى كَتِفِها: «ابنَةُ خالَتي تَرَكَتِ المَدرَسَةَ لِانقِطاعِ الطَّعامِ. إِن فَتَحتُم مَكاناً يُعطيهِم كُرّاسَةً وَقَلَماً، فَلَعَلَّها تَعودُ. أَنا مَعَكُم... إِن لَم نُؤخَذْ.» سَكَتوا. وَوُجِدَت وَرَقَةٌ تَحتَ بابِ سامي لَيلاً: «غَداً السّابِعَةَ. إِن جِئتَ فَلتَكُن وَحدَكَ.»
فَتَحوا غُرفَةً في بَيتٍ مَهجورٍ يَومَينِ في الشَّهرِ. كَتَبَ خالِدٌ عَلى بابِها بِالفَحْمِ: «عِيادَةٌ». الكَلِمَةُ أَكبَرُ مِنَ الحَقيقَةِ، وَلَكِنَّهُ لَم يَجِد غَيرَها. لَم تَكُن عِيادَةً حَقيقَةً. كانَت غُرفَةً بِلا كَهرباءٍ، فيها كُرّاسَةٌ وَشَريطا دَواءٍ وَخالِدٌ يُحاوِلُ أَن يَتَذَكَّرَ ما تَعَلَّمَهُ مِن أُختِهِ المُمَرِّضَةِ.
في اليَومِ الأَوَّلِ جاءَت أُمُّ فاطِمَةَ تَحمِلُ حَفيدَها. كانَت حَرارَتُهُ مُرتَفِعَةً، وَعَيناهُ مُغلَقَتانِ مِنَ الجَفافِ. لَم يَكُن خالِدٌ طَبيباً. كُلُّ ما فَعَلَهُ أَنَّهُ أَعطاهُ خافِضَ حَرارَةٍ كانَ قَد أَخَذَهُ سِرّاً مِن دَواءِ أُختِهِ المَريضَةِ. وَلَمّا نامَ الصَّبيُّ نِصفَ ساعَةٍ عَلى حِجرِ جَدَّتِهِ، قالَت أُمُّ فاطِمَةَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ شُهورٍ: «صَوتُكَ مُنخَفِضٌ اليَومَ.» خَرَجَ الصَّبيُّ يَحمِلُ رَسمَةً مُعوَجَّةً لِشَمسٍ. قَبَّلَتهُ أُمُّهُ وَهُوَ يَرفَعُها فَرِحاً كَأَنَّها شَهادَةٌ. شَعَرَ خالِدٌ لِلَحظَةٍ أَنَّ صُراخَهُ القَديمَ لَم يَذَهَب هَدَراً.
ثُمَّ نَفِدَ الدَّواءُ. وَقَفَ أَمامَ أُختِهِ لَيلاً. كانَت نائِمَةً، وَالدَّواءُ إِلى جانِبِها عَلى المَنضَدَةِ الصَّغيرَةِ. اِمتَدَّت يَدُهُ. ثُمَّ تَوَقَّفَت. «إِن عَلِمَت، طَرَدَتني. وَإِن لَم أَفعَل، ماتَ الصَّبيُّ.» أَخَذَ شَريطاً واحِداً فَقَط. وَتَرَكَ مَكانَهُ مَبلَغاً قَديماً. كَأَنَّ ذلِكَ يُسَوّي الأَمرَ.
اشتَغَلَ الأَمرُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوماً بِلا ضَجَّةٍ. أُمُّ فاطِمَةَ تَدفَعُ عِشرينَ جُنَيهاً بَدَلَ أَربَعِمِئَةٍ وَتَقولُ: «حَتّى لَو كانَ هَذا الدَّواءُ مِن حَيثُ لا أَدري، فَأَنا الرّابِحَةُ.» لَم تَقُلها بِصُراخٍ. قالَتها وَهِيَ تُطْرِقُ بِنَظَرِها.
صَبِيٌّ يَخرُجُ وَرَسمَتُهُ العَوجاءُ أَثمَنُ عِندَهُ مِنَ العِلاجِ. قالَ سامي لِخالِدٍ وَهُوَ يُقَلِّبُ مِفتاحَ البابِ: «لَوِ انكُشِفَ الأَمرُ، خَسِرنا جَميعاً. وَلَكِنَّ السُّكوتَ أَسوَأُ.»
في اليَومِ التّاسِعَ عَشَرَ وَقَفَ أَبو مَروانَ عَلى العَتَبَةِ وَصَوتُهُ يَسبِقُهُ: «يَبيعونَ الدَّواءَ المَدعومَ في السّوقِ السَّوداءِ! رَأَيتُ بِعَيني رَجُلاً يَخرُجُ مِن هُنا وَيَبيعُهُ عِندَ المَوقِفِ!» تَجَمَّعَ النّاسُ. لَم يَسأَلوا. سَأَلَ الخَوفُ عَنهُم. خالِدٌ أَرادَ أَن يُدافِعَ، فَوَجَدَ حَلقَهُ جافّاً. كَلِمَةُ «أَنَا أَخَذتُ الدَّواءَ مِن أُختي» وَقَفَت في حَلقِهِ كَالحَصاةِ. تَقَدَّمَت لَيلَى وَوَضَعَت كُرّاسَةً قَديمَةً بَينَ يَدَي أَبي مَروانَ. فيها أَسماءُ سَبعَةَ عَشَرَ طِفلاً، وَتَواريخُ الحُضورِ، وَجُرعَةُ الدَّواءِ وَمَن أَعطاها. قالَت بِصَوتٍ مُنخَفِضٍ لا يُشبِهُ الخِطابَ:
«مَن يَبيعُ لا يَكتُبُ. وَمَن يَبيعُ لا يَترُكُ أُمَّ فاطِمَةَ تَدفَعُ عِشرينَ جُنَيهاً وَتَبكي مِنَ الفَرَجِ.» صَمَتَ أَبو مَروانَ. لَم يَكُن صَمتَ اقتِناعٍ. كانَ صَمتَ رَجُلٍ رَأى وَرقَةً تَفنِدُ ما سَمِعَهُ في المَقهى.
قالَ أَخيراً: «إِن كُنتُم صادِقينَ، فَلِمَ لا تَفتَحونَها كُلَّ يَومٍ؟ لِمَ الخَوفُ؟» أَجابَهُ سامي قَبلَ خالِدٍ: «لِأَنَّنا لَو فَتَحناها كُلَّ يَومٍ، أُغلِقَت غَداً. وَلِأَنَّنا نَخافُ عَلَيكُم لا مِنكُم.» مَضى أَبو مَروانَ. لَم يَعتَذِرْ. لَكِنَّهُ في المَرَّةِ التّالِيَةِ جَلَبَ مَعَهُ قارورَةَ ماءٍ لِلصِّغارِ وَوَضَعَها عِندَ البابِ وَمَضى. بَقِيَ خالِدٌ بَعدَ ذَهابِهِم جالِساً عَلى الأَرضِ. فَتَحَ الكُرّاسَةَ. كَتَبَ في آخِرِ صَفحَةٍ فارِغَةٍ:
«اليَومَ لَم نُتَّهَمْ. غَداً قَد نُتَّهَمُ ثانِيَةً. فَلنَكتُبْ كُلَّ شَيءٍ، حَتّى يَكونَ الصَّمتُ عَلَينا أَعدَلَ مِنَ الكَلامِ عَلَينا.» تَرَكَ بابَ العِيادَةِ مَفتوحاً لِلغَدِ. الدَّواءُ قَليلٌ. وَالكِتابَةُ تَزيدُ. الصُّراخُ كانَ بِدايَةً. وَالكِتابَةُ عَلى الأَرضِ، هِيَ البَقاءُ.
───
جمهورية مصر العربية
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire