“مرثيّة البنفسج”
(قصيدة للشاعر طاهر عرابي)
دريسدن — نُشرت في 17.06.2025 | نُقِّحت في 26.04.2026
———
ماذا سيكتب الشاعر
إن وجد قلمًا بنفسجيًّا مُلقىً في الشارع،
وعلى الرصيف صفحةٌ من رخامٍ
ترتعش من الفراغ في قلب النسيان؟
هل يمسك بالقلم؟
أم يواسي الرخام؟
يمسحه بأكمام قميصه،
ويكشف عروقه الملساء…
وهل القلم البنفسجي
يُجيد مواساة المرتعشين؟
ثلاثتهم مساكين:
القلم، والرخام، واللون الضائع،
قرروا أن يصمتوا…
حتى صرخ الطريق:
“خذوا القلم!”
وكتبوا شيئًا
عن مشاعر باهتة،
وعن النفس حين تراوغ ظلها،
وعن زبد أفواه الثرثارين
غارقا في حنين الانتماء،
حتى صار في وجهكم
صوت الرحيل…
وأنا ممتد
مثل خطى نسيت آخر الخطوات.
صرخ الرصيف متألمًا:
“قتلني انتظار الرخام المسكين!”
يا ليتني نحّات
لأصنع له فراشة،
أو أحمله شاهدة فرح لحسناء
أخذها الغرام،
فأضاءت السماء في عينيها.
قال البنفسجي:
سئمت الانتظار،
لون الذكرى يتعفّن بي،
وسأصفر… أو أبهت
كقعر فنجان يبكيه انسكاب الرقة.
كنت لونًا وصرت حيرة.
شوائبنا المعدنية قد صدأت،
وتسرّب منا شعاع لا يطيق الضوء.
تعالوا لنختبئ،
أيها الرصيف خذ قفصًا عظميًا كي لا تغترب،
ودعني أراقب حزن الحجارة علينا.
إني خامد…
حتى تعود الحياة لنبضٍ ما.
وأما الشاعر
بحيرة تجف في النهار
وتمتلئ أشواقًا في آخر الليل.
لا يهاب ولا يغار،
يتغنى بشمس النهار،
وفي الليل يعزف أنشودة الحروف،
كأنها ثقل على كتفيه
أو جرح لا تطيبه الأشعار.
مسكين، طلب من الحياة
أن يكون قرميدًا في سقف ينهار.
الكل مجبول بوحل السأم،
فما ينفع الانتظار
في زمن صار فيه البحر قبطانًا،
والسفينة تبحث عن مخابئ المحار؟
وأخذ الشاعر القلم،
وكتب على الرخام:
“مرّت أيّام
كان الذهب فيها يلين في اليد…
ثم صار ترابًا.
ومرّت أخرى
كان التراب فيها
أثقل من أن يُهمل.”
ثم مال على الرخام:
“لا تُصغوا كثيرًا لما يُقال…
الألم ليس في الوحدة،
بل في ما يبقى من أصوات الآخرين
بعد أن يرحلوا.”
نظر إلى يده، ثم إلى الرخام،
ولم يكتب شيئًا.
كأن البنفسجي صار رمادًا.
دريسدن- طاهر عرابي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire