samedi 25 avril 2026

سجل مدني العجوزة *** 🖊 د. طارق حميدو

"قصة قصيرة"

سجل مدني العجوزة

مني تضغط على جرس الباب دون ان ترفع أصبعها عنه كأنها تُطارد.
جرس متواصل لا يعرف الصبر.

من الداخل جاء صوت سامي متثاقلاً:
“طيب طيب… اصبر يا اللي على الباب… أيوه مين؟”

فتح الباب ببطء.
وقبل أن يسأل… كانت قد اندفعت:
“سامي… الحمد لله… عندي لك خبر حلو قوي… جالي عقد عمل في الكويت… وهنسافر بعد 3 أسابيع.”

تراجع خطوة.
تأمل وجهها المضيء.
ثم قال بنبرة لم تشاركها الفرح:
“طيب… وأنا؟”

تعثرت ابتسامتها للحظة.
ثم قالت سريعاً:
“هتجيلك إن شاء الله… هناك فرص كتير… وممكن تقدم على شغل.”

سكتت.
ثم أضافت بنبرة عملية:
“والعيال هنسيبهم عند ماما مؤقتاً… لحد ما نستقر.”

كان الكلام يخرج منها كأنها ترتب قدراً… لا تناقشه.

مرت الأيام.
وسافرت مني.
عملت.
تعبت.
وأرسلت كل ما تكسبه.

وبعدها… جاء سامي.
وعاد البيت بيتاً.
والحياة… كأنها استقرت.

سنوات مرت.
كبرت البنات.

دعاء أنهت الثانوية العامة بتفوق… ثمانية عشر عاماً من الرهان الناجح.
وصفاء في السادسة عشرة… على حافة التحول.
وميّار… ثلاث عشرة سنة من الضحك البريء.

وفي مساء هادئ…
كانت دعاء تمسك باستمارة الجامعة.

نظرت إلى أمها:
“أسافر انجلترا … ولا نرجع مصر؟”

سكت الجميع.

قالت مني بهدوء:
“نرجع؟”

رفع سامي عينيه… نظر طويلاً… ثم قال كلمة واحدة:
“نرجع.”

عادوا.
إلى مصر.
إلى بداية ظنوها أكثر صدقاً.

في مدرسة جديدة…
وقفت ميّار مترددة.

اقتربت منها فتاة:
“إنتي جديدة؟”
“آه.”
“أنا سلمى.”
“وأنا ميّار.”

ضحكتا.
وبدأ كل شيء بسيطاً… ككل البدايات.

لم يلفت الاسم الانتباه.
ملايين اسمهم سامي.

وفي ليلة قديمة… في الكويت…
عاد المشهد فجأة في ذاكرة مني.

سامي يقول بثقة:
“لازم نشتري شقة في التجمع تليق بينا.”

سألته:
“باسمنا إحنا الاتنين؟”

رد دون تردد:
“طبعاً.”

لوّحت بيدها:
“أنا مش حمل مشاوير ولا إمضاءات… خليها باسمك… كله للبنات.”

ابتسم.
وسكت.
وكان صمته… اتفاقاً لم تفهمه وقتها.

مرت الأيام هادئة.
هادئة أكثر مما ينبغي.

حتى جاء يوم عادي جداً.
طلبوا منها قيداً عائلياً.

ذهبت إلى السجل المدني بالعجوزة.
وقفت في الطابور.
أخذت رقمها.
جلست تنتظر.

روتين بارد.
حياة عادية.

استلمت الورقة.
وقبل أن تطويها… نظرت.

اسمها.
اسم زوجها.

ثم… توقفت.

اسم آخر.

زوجة أخرى.
وابنة أخرى… “سلمى سامي”.

تجمدت أصابعها.
بردت أطرافها.
لم تصرخ.
لكن شيئاً في داخلها… انكسر بلا صوت.

رن الهاتف.

“ماما!”

صوت دعاء… يبكي.

“بابا وقع فجأة… إحنا في المستشفى!”

اختلطت الأوراق بالوجوه.
والأسماء بالحقيقة.
والصدمة بالوقت.

في المستشفى…

كان سامي مستلقياً.
جسد نصفه غائب.
وصوت غائب تماماً.

جلطة.
شلل.
وصمت… يفضح كل شيء.

وقفت أمامه.
لم تسأله.
لم ترد أن تسمع.

ثم التفتت.

ورأتها.

سلمى.

ليست صدفة.
ليست اسمًا عابراً.

بل الحقيقة… كاملة.

اقتربت الفتاة.
نظرت إليها طويلاً.
ثم قالت بهدوء موجع:
“أنتي… ماما التانية؟”

لم تجب.

فقالت سلمى:
“بابا كان دايماً يقول… لازم أرضي الكل.”

سكتت… ثم أضافت:
“بس واضح إنه ما عرفش.”

سألتها مني بصوت خافت:
“زعلانة منه؟”

قالت:
“مش عارفة… بس بحبه.”

ابتسمت مني.
ابتسامة تعرفها كل امرأة خُذلت.

ثم قالت:
“إحنا الاتنين مش أعداء… إحنا الاتنين ضحايا.”

خرجت من المستشفى.

القيد العائلي في يدها.
لكن القيد… لم يعد ورقة.

كان عمرًا كاملاً… مكتوبًا بحبر الخداع.

وقفت لحظة.
رفعت رأسها.

ولأول مرة…
لم تفكر فيه.

فكرت في نفسها.

لأن الحقيقة… مهما كانت قاسية…
أرحم من عمر كامل… لم يكن لك وحدك.

✍️ ❝ 𝒟𝓇. 𝒯𝒶𝓇𝑒𝓀 𝐻𝒶𝓂𝒾𝒹𝑜 ❞

#قيد_عائلي
#قصص_واقعية
#الخيانة
#الحقيقة_المرة
#الزواج
#دراما
#مشاعر
#حكايات
#قصص_قصيرة
#الحياة
#قرارات
#خذلان
#سجل_مدني_العجوزة
#د_طارق_حميدو

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire