samedi 25 avril 2026

القلق الاجتماعي *** 🖊 الكاتبة: ورود نبيل محمد

القلق الاجتماعي، حين يصبح الآخرون مرآةً للخوف

هناك من يدخل مجلسًا فيتحدث بعفوية، يضحك، يعبّر، ويسأل دون أن يفكر كثيرًا كيف يبدو أمام الآخرين، وهناك من يدخل المكان نفسه كمن يدخل امتحانًا صعبًا؛ يحسب كلماته، يراقب ملامحه، يخشى ارتجاف صوته، ويتوجس من نظرة عابرة قد يفسرها رفضًا أو حكمًا، ذلك هو القلق الاجتماعي،
ليس مجرد خجل، كما يظن البعض، ولا ضعفًا في الشخصية، ولا قلة خبرة بالحياة، بل تجربة نفسية عميقة يعيش فيها الإنسان تحت ضغط دائم من الخوف من التقييم، وكأن عيون الآخرين تتحول إلى مرايا قاسية يرى فيها عيوبه مضخّمة، المصاب بالقلق الاجتماعي قد يبدو هادئًا من الخارج، لكن داخله يعجّ بالعواصف، قد يقف ليتحدث فتجفّ الكلمات، ويرتجف القلب، وتتزاحم الأفكار:�ماذا لو أخطأت؟�ماذا لو سخروا؟�ماذا لو بدا صوتي مرتبكًا؟�ماذا لو ظنوا أنني أقل مما أريد أن أكون؟
وهكذا يتحول موقف عادي إلى معركة.
قد يبدأ الأمر من تجارب قديمة؛ كلمة جارحة في الطفولة، سخرية أمام الآخرين، نقد متكرر، أو بيئة تربط القيمة بالكمال، أحيانًا يترك موقف إحراج واحد أثرًا طويلًا، فينشأ الإنسان وهو يتعامل مع كل موقف اجتماعي كاحتمال خطر، ومع الوقت لا يعود الخوف من المواقف نفسها، بل من الشعور الذي تخلّفه،
الخطر الحقيقي في القلق الاجتماعي ليس الارتباك، بل ما يسرقه من الإنسان دون أن يشعر، قد يضيّع فرصًا مهنية لأنه يخشى التحدث، قد يؤخر أحلامًا لأنه يتجنب الظهور، قد يحرمه من علاقات جميلة لأنه يخاف المبادرة.
كم موهبة اختبأت خلف الصمت؟�وكم فكرة عظيمة لم تُقل لأن صاحبها خاف؟
المؤلم أن كثيرًا ممن يعانون القلق الاجتماعي يملكون حساسية عالية ووعيًا عميقًا، لكنهم يستهلكون طاقتهم في مراقبة أنفسهم بدل عيش اللحظة، هم لا يخافون الناس غالبًا، بل يخافون أحكامهم المتخيّلة،
وهنا تبدأ نقطة التحوّل، حين يدرك الإنسان أن كثيرًا من مخاوفه ليست حقائق، بل تصورات مبالغ فيها،�وأن الناس أقل انشغالًا بأخطائه مما يظن، وأن الارتباك لا يعني الفشل، وأن الخطأ لا يسقط القيمة،
يبدأ التحرر.
التعامل مع القلق الاجتماعي لا يكون بمحاولة محوه دفعة واحدة، بل بفهمه أولًا، ثم مواجهته تدريجيًا، خطوة صغيرة قد تكون بداية كبيرة؛ سؤال يُطرح، رأي يُقال، مشاركة بسيطة، حضور دون انسحاب،
الشجاعة ليست غياب الخوف، بل ألّا تجعل الخوف يقودك، ومن المهم أن نفهم أن طلب المساعدة ليس ضعفًا، الحديث مع مختص، أو ممارسة العلاج المعرفي السلوكي، أو تعلم مهارات المواجهة، كلها أبواب حقيقية للتعافي، فالقلق الاجتماعي ليس حكمًا أبديًا بل يمكن تجاوزه، يمكن للمرء أن يتعلم كيف يتحدث رغم ارتباكه، ويحضر رغم خوفه، ويكون نفسه دون اعتذار.
وفي النهاية، ربما القضية ليست أن تتوقف عن القلق تمامًا، بل أن تتوقف عن السماح له بسرقة حياتك،
لأن صوتك يستحق أن يُسمع، وحضورك يستحق أن يظهر، وحياتك أوسع من أن تُعاش من وراء الخوف.

الكاتبة: ورود نبيل محمد
الأردن

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire