أنحني قليلًا كي لا يسقط القمر من رأسي
في الليلةِ التي نسيتُ فيها اسمي،
نادَتني المرآةُ
بصوتٍ يشبهُ الماء،
وقالت:
أنتَ لستَ أنتَ تمامًا،
أنتَ الفجوةُ الصغيرةُ
بين فكرتين،
حين يتعبُ العقلُ
ويجلسُ على حافةِ الجنون
ليدخّنَ غيمة.
ومنذُ تلك الليلة،
وأنا أمشي
كأنّ الأرضَ سجادةُ وهمٍ
يهزّها نائمٌ عملاق،
وأنا الدبوسُ الأخير
في قميصِ الوجود.
إن سقطتُ،
انفرطَ الكونُ
مثل مسبحةٍ
أكلتْها يدُ الغياب.
أفتحُ النافذة،
فلا يدخلُ الصباح،
بل تدخلُ فكرةٌ قديمة
كانت تسكنُ جمجمةَ فيلسوفٍ
ماتَ وهو يضحك،
لأنّه اكتشف
أنّ الحقيقة
ليست أكثرَ من قطةٍ سوداء
تبدّلُ عينيها
كلّما حدّقنا فيها طويلًا.
وفي الزاوية
كانت الساعةُ
تأكلُ أصابعَ الوقت
ببطءٍ نبيل،
وكانت الكراسي
تتبادلُ أخبارَ الجالسين عليها
بعد انصرافهم،
وكان البابُ
يبكي كلّما أُغلق،
لا حزنًا على أحد،
بل لأنّ الفراق
وظيفتُه اليومية.
أنا لا أعيشُ هنا،
أنا أتسرّبُ فقط،
مثل عطرٍ
نسيَ زجاجتَه
في معطفِ امرأةٍ
كانت تحبُّ رجلًا
يصنعُ من الصمتِ سلّمًا
ويصعدُ عليه
كي يقطفَ تفاحةً
من شجرةٍ
زرعها الشكُّ
في حديقةِ اليقين.
سألتُ قلبي ذاتَ تعب:
لماذا تخفق؟
قال:
كي لا ينامَ الفراغُ
في سريركَ كلّه.
قلت:
ولماذا أحببتُ؟
قال:
لأنّ الروحَ
ملّتْ من الجلوسِ وحدها
في قاعةِ الانتظارِ الكونية،
فاخترعت نافذةً
وسمّتْها امرأة.
ومن يومها
صار الحبُّ عندي
حادثًا ميتافيزيقيًّا:
عصفورٌ يدخلُ من ثقبِ إبرة،
ويخرجُ وهو يجرُّ وراءه
مدينةً من الأجراس،
وصار الحنينُ
آلةً موسيقية
يعزفُها الغياب
بأصابعَ من دخان،
وصارت ذاكرتي
ثلاجةً قديمة
أحتفظُ فيها
ببقايا الضحكات،
ونصفِ قبلة،
وثلاثِ دموعٍ
لم أجدْ لها وجهًا مناسبًا.
أحيانًا
أشعرُ أنّ العالم
ليس سوى استعارةٍ كبرى
تعثّرتْ في الفراغ،
فأنجبتْ هذا الوجود:
بحرًا
يرتدي قلقَه كجلدٍ أزرق،
وجبلًا
يُقيمُ في صمتِه
كأنّه فكرةٌ
أرهقها الكلام،
وإنسانًا
يمشي، وفي صدره
شرارةٌ تائهة
تقاومُ انطفاءَ الأكوان.
غير أنّ السرَّ
لم يُمنحْ لنا كاملًا،
فبقيَ في أرواحنا
ذلك الجوعُ الشفيف
إلى ما لا يُدرَك،
وبقيتْ في أفواهنا
أسئلةٌ
تضيءُ قليلًا،
ثم تنامُ
على وسادةِ الحيرة.
أنا لا أخافُ العدم،
أنا أخافُ أن يكونَ العدمُ
أكثرَ رأفةً من هذا العالم.
أخافُ أن أصلَ إليه
فأجدَه كرسيًّا وثيرًا
ونورًا خافتًا
وصوتَ أمّي
يقولُ لي:
تأخّرتَ كثيرًا،
وكان العشاءُ باردًا
مثل كوكبٍ
فقدَ شمسَه
في زحامِ المجرّات.
يا أيّها المارّون
في شراييني
كأنّكم نبوءاتٌ قصيرة،
رويدكم،
فأنا هشٌّ
كفكرةِ وردةٍ
في رأسِ حجر،
وأنا عميقٌ
كجرسٍ
سقطَ في بئر،
وما زال صوتُه
يصعدُ إلى الآن.
لا تبحثوا عنّي
في الصور،
فالصور
أكاذيبُ الضوء،
ولا في الكلام،
فالكلامُ
معطفٌ ضيّق
يلبسه المعنى مضطرًّا.
ابحثوا عنّي
في ذلك الارتباكِ الجميل
الذي يصيبُ الليل
حين يرى نجمةً
تفكّرُ في الانتحار،
ثمّ تتراجع
إكرامًا لعاشقٍ
رفع رأسَه
في اللحظةِ المناسبة.
أنا الذي
كلّما انكسر
رنّ،
وكلّما ضاع
أضاء،
وكلّما سقط
تناثرَ منه
أكثرُ من سماء.
فإن سألتم:
من هذا؟
قولوا:
هذا رجلٌ
انحنى قليلًا
كي لا يسقطَ القمرُ من رأسه،
ثم أكملَ طريقه
كأنّ الخراب
مجرّدُ مزحةٍ
قالها الوجود
ونسيَ أن يعتذر.
عاشور مرواني
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire