صاحبة السفينة
كنتُ واقفةً على شاطئ الخيال ومعي رفاقي، وفي هدوء الليل والصمت يعم الأجواء، فقال أحدهم: ماذا نفعل الليلة؟ السماء صافية والموج هادئ.
قلتُ له: أطلق العنان للخيال، تجد كل ما هو محال، تحقق وأمام عينك يتحرك.
فأغمض عينيه.. فقلتُ له: تحلم بمن الآن؟ بحبك القديم؟ أغمض عينيك تجد الحبيب يجلس أمامك، وإن أردت يقول لك أجمل كلام الغزل، وتحيا معه في أجمل قصص الغرام.
فسكت.. ففهمتُ أنه يعيش في عالمه الخاص.
وأنت أيها القائم على أحزان الليل، ماذا تريد؟ استرداد عمرك المجيد.. أغمض عينيك تجد نفسك فوق الثلاثين بقليل. فارسٌ أنت أم جواد؟
فنظر لي قائلاً: لا فرق بيني وبين جوادي نحن ملتصقان، الروح الصديقة والإخلاص، في الحرب نحن سواء نجاهد كرجل واحد، إن انتصرنا فالنصر لنا وإن هزمنا فنحن الاثنان منهزمان. ثم أغمض عينيه.
وأنا وأنا.. أريد أن أركب معكِ سفينة الخيال.
ما هذا الصوت؟ اخفض صوتك وأنزل يدك فالناس نيام، اركب وأغمض عينيك.. تذكر أنك في بحر الخيال.
فأغمض عينيه وبدأ يقول: أنا الآن رجعت لموطني.. أهلاً بالصغار، أطفالي أحبابي، وأين الكبار زوجتي وأبي وأمي؟ ها نحن لك في انتظار هيا نتناول معاً الطعام.
ونظرتُ لهم وكنتُ مستمتعة وأنا أحقق لهم أحلامهم، وبعد قليل وجدتُ الكل يفتح عينيه، وقال الأخير صاحب الشعر الأسود والعيون الحزينة: وأنتِ يا صاحبة السفينة، ألا تضعين قدميكِ الجميلتين فوق سفينتكِ وتغمضين عينيكِ؟
قلتُ له: نعم، الليلة سأفعلها.
وأغمضتُ عيني ورأيت نفسي أجلس أمام صاحبي، أتساءل عن الوفاء والعهد القديم، وعن تكرار الغياب واختياره لنفسه العلياء، وعن الطفلة البريئة والطفل الساكن فيه؟
فسكتَ على عادته، فتكلمتُ أنا: أريد أن أعلمك كيف يكون الوفاء.. الوفاء هو إن ضاعت الدنيا من حولنا نظل واقفين أمام بعضنا، وإن اشتدت الرياح وهدمت كل الأماكن نظل صامدين نمسك بأيدينا متشبثين بأرواحنا، وإن اختفى من الكون كل شيء تضع يدك في يدي ونبني من جديد بيتاً لنا ونعيد بناء ما استطعنا من الوجود.
وفجأةً فتحتُ عيني، فوجدتُ نفسي بين رفاقي على شاطئ الخيال، وبدأ يظهر الصباح وأشعة النور تلوح من بعيد، وتعالت الضحكات وقالوا لي: هيا نترك السفينة، على وعدٍ منا جميعاً أن تتوالى الليالي على شاطئ الخيال.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire