“حفنة ماء للنمل”
(قصيدة للشاعر طاهر عرابي)
دريسدن - 20.03.2025| نُقّحت في 26.06.2025
——
كان اليوم عندي عيدَ الابتذال،
وفي كلِّ سنةٍ أناقشُ نفسي في الهواء الطلق،
لديّ الوقتُ الكافي لمراجعة
ما أحمله من بساتين الهموم وجبال الجهل.
خصصتُ هذا اليوم لأعترف لنفسي
بأنني كنتُ محدود الذكاء، ناقص الإرادة،
أقصي عني، بيسرٍ، حدسيَ الحذِر،
وأرتمي، مثل طفل الكنغر، مختبئًا
بكل اطمئنان،
حتى لو كانت المعضلاتُ سخيفة،
وتجمعت دون أن تزول،
فقد حوّلتني إلى مبتذل، أو متعاطف مع النفس المظلومة.
وبشيءٍ من الخوف،
تركتُ لي حريةَ تحديدِ حجم القلق.
العيد هو الخطوة الأولى نحو تبديد الهموم،
ليست القضيةُ قضيةَ ابتهاج،
إنها قضيةُ عناقٍ للألم.
وقفتُ قرب شجرة، ولم أكن أملك سببًا،
لا أبحث عن ظلٍّ، ولا أشتهي رؤيةَ أغصانٍ عارية،
والربيع لم يكن قد أدرك وقته بعد.
كانت الشجرة تحاول بثَّ الرعب في جذورها،
تحذّرهم من مصيرٍ عجيب:
“إياكنّ أن تتقاعسن في جلب الماء!
بيني وبين الأزهار ساعاتٌ معدودة،
يا للمصيبة إن لم أُزهِر!
سأعاتبكنّ وكأنكنّ تخنّني،
حتى لو تأخّر الغيم عن المطر،
عليكنّ الذهاب إلى النبع القريب!
كلُّ شيءٍ أقدرُ على تأجيله، إلا الإزهار،
إن خبتُ، لا يشفعُ لي الورقُ ولا العصافير،
حتى إنني سأمقت نفسي، وأتهمها بالابتذال المؤلم.
ما أصعب أن تنتظر المواسم،
وأنت محاطٌ بالذل والفشل!”
ما أصعب أن تكون شجرةً بهذا القلق المهين!
ما أصعب أن تكون مذبحًا للألم،
والكلُّ من حولك يرى فيك نجمًا ساطعًا،
صاحبَ الثمر الطيب، وأنت لا تشبه إلا حصىً
حمقاء مبتذلة!
ما أصعب أن تخون نفسك بالانتظار…
اذهبوا، واحضروا الماء، لا تتركوني للخذلان!
قررتُ أن أذهب إلى النبع وأحضر ماءً،
لن أحتمل مأساة الشجرة،
ولن أكون مسؤولًا عن حزنها،
حتى الجذورُ، لو تحرّكتْ إلى النبع،
ستموت في الطريق لا محالة.
هل تعلمون ماذا لو حلَّ هذا الحزن؟
من سيغفر لي؟
ما أوقحني! أُهمِلُ الحقيقةَ ثم أهرب إلى الغفران!
كان النبعُ شحيحًا، ماؤه يخرج وكأنه يعود،
والعصافير تتناوب عليه،
صامتةً أو غائبةً في حيرتها،
وأفاعٍ تترصّد كلَّ من روى نفسه وشبِع،
وثِقلٌ كمن ابتلع حجرًا،
تهاجمه الأفعى بكل سعادة،
وهو مقيّدٌ بجشعه للماء.
همستُ لنفسي:
“لو كنتُ عصفورًا،
ورأيتُ الأفاعي وشُحَّ الماء،
لشربتُ قطرةً واحدة، وأسميتُها: قطرة النجاة…
النجاةُ من الموتِ عطشًا، أو الموتِ في فمِ الأفعى.
لا وقتَ للشبع والجشع والخطر يدبّ
حول العيون.
حتى العصافير تخون لذّتها… هل هي جشعة؟”
سأراقبُ كلَّ من نجا منهم،
ونحدّدُ يومًا نسميه: عيد الجشع.
الكلُّ حدّق في وجهي وكأنني غريب،
أو أنهم اكتشفوا ابتذالي وصُعقوا.
قلتُ بحزنٍ أشدّ من أي حزنٍ عشته:
“الماء ليس لي، إنما للشجرة هناك،
صدّقوني، إنني أشعر بالواجب تجاه من يقف شامخًا وينتظر المطر،
ويحتضن براعمه كأنها جوهرة.”
سآخذ حفنةَ ماءٍ وأريح نفسي من الإثم.
آه، لو سمعتم حسرة الشجرة وحيرتها!
لقد قالت:
“سأعاتبكم لخيانتكم،
والجذورُ المسكينةُ لم تفهم سوى الصمت!”
إن لم تسمحوا لي بحفنة، سأكون فاشلًا ومهزومًا!
أخذتُ حفنةَ ماءٍ وعدتُ إلى الشجرة،
كانت خمسَ قطرات،
وبلّلتْه يداي قبل أن يضيع مع أنفاسي اللاهثة.
لكنني قمتُ بالواجب،
وصرختُ طربًا من نفسي الواجب!
ولو تعلمين يا شجرتي كم تعاني العصافير…
حتى النبع قد بدأ يائسًا من رجاء المطر.
خمسُ قطراتٍ سقطتْ على جذعك،
فتلقّفها النمل… وانتهى شقائي!
وبقي شقاؤكِ.
حزنتُ أكثر من الشجرة،
ملتُ عليها وقلتُ:
“هل أنا مبتذلٌ حقًا؟
هل أصبتُ حينما أقررتُ بعيد الابتذال؟
بالرغم من معارضتي لهذا الهراء…
أعطيني أملًا يا شجرتي، ولا تكوني أقسى
من الجفاف!”
صدقيني، ستتلبّد السماء وتمطر،
وتفرحون، ويفرح النبع،
وتهرب العصافير من إرهاب الأفاعي.
سيعود كلُّ شيء كما كان قبل العيد.
أما أنا؟
فقد جئتُ لأتكلم في الهواء الطلق،
وأعاتب نفسي بحرية الملوك على عرش اللامبالاة،
وهم ينشرون قذارة التفوّق في الهروب.
ماذا تقولين؟ وماذا تنصحين؟
أعطيني أملًا…
لستِ وحدكِ مهمَلةً في هذا الكون،
فكوني صبرًا لنصبر.
وغدًا يحلُّ علينا عيدُ الفراغ،
وأخشى أن نخسره!
كما خسرتُ يوم عيد الابتذال…
غدًا، لن أتكلم معكِ ولن أسمع،
سأمضي في الفراغ، وأتذكّر يومًا آخر
أكون فيه غيمة، أكون فيه مطرًا… لأرى بهجتكِ.
دريسدن -طاهر عرابي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire