"ظاهرة الفساد: بين التشخيص الفضفاض وتخفّي المفسدين"
تكثر الشعارات المطالبة بمحاربة الفساد، وينخرط الجميع في ترديدها دون أي تحديد لمضمونها، أو لكيفية تشخيص هذا الفساد وطرق محاربته.
كلنا يعرف الفساد؛ فوجهه لا يختلف كثيراً عن وجوهنا، يأكل ويتحرك بيننا، ويضحك معنا وعلينا. نراه في المشاريع المتعثرة، وفي الأزمات المفتعلة، ونلمسه هدرًا للمال العام في الأسواق والمؤسسات والمرافق كافة.
لقد احتل الفساد كل الأمكنة وصار الآمر الناهي؛ يقف شامخاً في الوزارات، والمؤسسات، والإدارات، والمستشفيات، لكن كل من يراه يخشى الإشارة إليه بصراحة، فيكتفي الجميع بالرمز إليه أو التلميح نحوه، دون الإفصاح عن هويته وكشفها للناس، وهنا تكمن المشكلة.
اليوم، أصبح الكل "يفتي" في الفساد، حتى المفسدون أنفسهم لم يتوانوا عن التحذير منه ومن أضراره على المجتمع! الكل يشخّص الداء، لكن لا أحد يجرؤ على تقديم العلاج؛ وكأننا أمام أطباء يتلذذون بمعاناة مرضاهم، فيذكرونهم بمرضهم في كل مناسبة، لكنهم يؤجلون العلاج حتى يتغمد الله المريض برحمته.
لا يوجد فساد معلق في السماء؛ فالفساد يرتبط جوهرياً بوجود "فاسدين"، لذا لا يمكن التعويل على محاربته دون تحديد واضح لهؤلاء والتشهير بهم. لن تقوم للإصلاح قائمة ما دام الخوف من الإشارة إلى "حوامل الداء" سيد الموقف، وما دام الاكتفاء بالتشخيص الفضفاض هو السائد، وكأن الأمر يتعلق بكائنات فضائية تعيث فساداً في الأرض دون أن يلحظها أحد!
إن الاكتفاء بمجرد التشخيص العائم للفساد دون تسمية الفاسدين يفتح الباب للمناورة الكلامية، بل ويسمح للفاسدين أنفسهم بالانخراط في "ثرثرة" محاربة الفساد؛ مما يشيع حالة من عدم الثقة والتشكيك في مصداقية أي خطاب إصلاحي، حالياً ومستقبلاً.
ختاماً، لا يستقيم رفع أي شعار يدعو لمحاربة الفساد دون تحديد صريح للمفسدين، وكشف الآليات التي يستعملونها في نهب المال العام وتبذيره خارج نطاق المصلحة العامة.
المنصوري عبد اللطيف
ابن جرير 5/4/2026
المغرب
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire